تتجلى في عمل الفنان الإماراتي عمار العطار «صلاة»، تجربة بصرية وفلسفية تختزل الزمن والمقدس في آن واحد؛ إذ تتحول الحركات التعبدية من سياقها الزمني المتصل إلى نوتة بصرية صامتة، تُقرأ كقصيدة مكتوبة بلغة الجسد.

ولا يكتفي العمل بتوثيق هيئة الصلاة بوصفها طقساً دينياً مألوفاً، بل يعيد تأملها بوصفها حدثاً بصرياً مركباً تتقاطع فيه الحركة والزمن والسكينة؛ فالفنان لا ينظر إلى الصلاة من خارجها كمشهد يمكن رصده، بل يتعامل معها كإيقاع داخلي يتجسد في هيئة الجسد وامتداده في الفراغ.

ومن هنا تبدو اللوحات أشبه بمحاولة لالتقاط اللحظة الروحية وهي تتشكل بصرياً؛ لحظة يتوقف فيها الزمن اليومي، ويتحول الفعل التعبدي إلى صورة مكثفة تختزن معنى الخضوع والسكينة معاً.

ويستحضر العطار في لوحاته الثلاث ترتيباً يشبه الأسطر الشعرية أو المقطوعات الموسيقية؛ فكل لوحة تمثل فريضة، وكل حركة هي نغمة جسدية صامتة. ومن خلال عزل كل ركعة وحركة على حدة، يحرر الفنان الفعل التعبدي من رتابة العادة، ويمنحه هيبة اللحظة المتوقفة. الجسد هنا ليس مجرد مادة، بل هو أداة لرسم الفراغ، حيث يبرز البياض (الجسد) في مواجهة السواد المطلق في خلفية الصورة، ليؤكد تجرد المصلي وانقطاعه عن العالم المادي أثناء وقوفه بين يدي الخالق.

بلاغة الفراغ

وما يميز هذا العمل ليس ما نراه من حركات (قيام، ركوع، سجود) فقط، بل المساحات البينية التي أشار إليها النص المرفق. هذا الفراغ الأسود الذي يحيط بالأشكال هو تمثيل بصري لحالة الخلوة والسكينة. إنه يدعو المشاهد إلى مراقبة الحركة، والتأمل في السكون الذي يسكن بين الحركة والأخرى، وهو ما يعكس جوهر الصلاة كحالة من الطمأنينة النفسية وسط ضجيج الحياة.

ويربط العمل بين الروحاني والزمني، ويتتبع التغير من أواخر النهار إلى أوائل الليل عبر الصلوات. هذا التدرج الزمني يضفي بعداً درامياً على اللوحات؛ فالحركات تترتب لتشكل تسلسلاً زمنياً غير مرئي، يذكرنا بأن الصلاة هي الميقات الذي ينظم فوضى اليوم، وهي الجسر الذي يعبر به الإنسان من ضوء النهار إلى سكون الليل.

أرشيف الروح

وباستخدام الصور الذاتية، يجعل العطار من جسده مختبراً استقصائياً. إنه لا يصور صلاة الآخرين، بل يوثق تجربته الخاصة، محوّلاً الجسد إلى أرشيف حي للعبادة. هذه النظرة الاستقصائية تجرد الحركة من فرديتها لتجعلها رمزاً كونياً للعبودية والتسليم، حيث يذوب «الأنا» في حركة الجماعة عبر تكرار هذه الأوضاع التي مارسها الملايين عبر السنين.

إن لوحة «صلاة» لعمار العطار هي دعوة لإعادة اكتشاف الجمال المخبوء في التفاصيل التي نمر عليها يومياً بعفوية. هي عمل يدفعنا للتساؤل: ماذا يحدث لروحنا في تلك الحركات التعبدية؟ إنها صرخة فنية صامتة تدعو للتأمل، وتثبت أن الفن قادر على تحويل الشعائر الروحية إلى لغة بصرية عالمية تخاطب الوجدان قبل العين.