د. لطيفة عبدالله الحمادي

* طقوس تربوية تعلم الطفل قيم الكرم والمشاركة والانتماء كما أنها تكشف عن علاقة وثيقة بين الطفل والبيئة التي ينتمي إليها

إن الطفولة ليست مجرد مرحلة بيولوجية في عمر الإنسان، بل هي اللحظة التي تتشكل فيها اللغة الأولى للروح، وتنبثق فيها بذور الوعي بالعالم. وفي المجتمعات التقليدية لم تكن هذه اللغة الأولى تُكتب في الكتب، بل كانت تُغنّى في البيوت والساحات. ومن هنا تنبع أهمية أغاني الأطفال الشعبية في الثقافة الإماراتية؛ بوصفها نصوصاً شفوية صغيرة في حجمها، لكنها عميقة في أثرها الثقافي والتربوي. فهي ليست مجرد أهازيج للمرح أو التسلية، بل تمثل شكلاً من أشكال التربية غير الرسمية التي أسهمت في تشكيل وعي الطفل اللغوي والانفعالي والاجتماعي.

لقد أدرك الدارسون للثقافة الشعبية منذ وقت مبكر أن النص الشعبي لا يمكن قراءته قراءة جمالية خالصة؛ إذ إنه في جوهره وثيقة ثقافية تعكس رؤية المجتمع للحياة والإنسان. وفي هذا السياق يشير الناقد الثقافي ريموند وليامز إلى أن الثقافة الشعبية: «ليست مجرد تعبير فني، بل هي شكل من أشكال تنظيم الخبرة الإنسانية داخل المجتمع». ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى أغاني الأطفال الشعبية في الإمارات بوصفها جزءاً من منظومة ثقافية تربوية أنتجها المجتمع عبر تجربته التاريخية الطويلة.

تبدأ هذه التجربة منذ اللحظة الأولى في حياة الطفل، عبر ما يُعرف بأغاني المهاواة أو أغاني المهد. ففي هذه اللحظة الحميمة بين الأم وطفلها يتشكل أول لقاء للطفل مع اللغة والإيقاع. تقول إحدى المهاواة الإماراتية:

«هو هو يا الهادي

محمد ساكن الوادي»

يقوم هذا النص على تكرار صوتي بسيط يسبق المعنى الدلالي؛ فالطفل لا يتلقى الكلمات بوصفها مفاهيم لغوية، بل بوصفها إيقاعاً يلامس حواسه الأولى. ويذهب بعض الباحثين في أدب الطفل إلى أن الطفل يتعلم اللغة عبر الإيقاع قبل أن يدرك معناها. ولذلك فإن التكرار الصوتي في مثل هذه الأغاني يؤدي وظيفة تعليمية أساسية؛ إذ يرسخ الوحدات الصوتية في الذاكرة السمعية، ويؤسس لما يمكن تسميته بالحس اللغوي المبكر.

ومن اللافت أن هذه الأغاني على بساطتها تحمل أيضاً بعداً وجدانياً عميقاً؛ ففي كثير من الأحيان تتداخل فيها إشارات دينية تمنح الطفل إحساساً بالطمأنينة والسكينة، كما في قول الأم:

«لا إله إلا الله

محمد رسول الله»

إن تكرار هذه العبارات لا يقدم خطاباً تعليمياً مباشراً، بل يرسخ في ذاكرة الطفل مفردات دينية أساسية ضمن تجربة عاطفية يغلب عليها الحنان والأمان. وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص النص الشعبي؛ إذ ينقل القيم والمعاني عبر الإيقاع والوجدان لا عبر التلقين.

وإذا كانت أغاني المهد تمثل البداية الأولى للتعلم اللغوي والانفعالي، فإن أغاني الألعاب تكشف عن بعد اجتماعي أكثر وضوحاً. ففي ساحات اللعب التي كانت تنتشر في أحياء الفريج الإماراتي، لم يكن الغناء مجرد خلفية صوتية للمرح، بل كان جزءاً من بنية اللعبة نفسها. ومن الأهازيج التي يرددها الأطفال في بعض الألعاب الشعبية:

«خوصة بوصة يا النبوصة

مرينا على عريب»

تتميز هذه النصوص ببنية إيقاعية بسيطة تعتمد على التكرار والتنغيم، وهو ما يجعلها سهلة الحفظ والتداول. غير أن أهميتها لا تقف عند حدود الجانب الموسيقي؛ إذ تؤدي الأغنية وظيفة تنظيمية داخل اللعبة؛ حيث تضبط إيقاع الحركة الجماعية وتنسق أدوار اللاعبين.

وقد لاحظ الباحثون في ثقافة الطفل أن اللعب الجماعي المصحوب بالغناء يمثل شكلاً من أشكال التنشئة الاجتماعية المبكرة؛ فالطفل يتعلم من خلاله احترام الدور، والالتزام بقواعد اللعبة، والتعاون مع الآخرين، وبعبارة أخرى يتحول اللعب إلى تجربة اجتماعية يتدرب فيها الطفل على الانتماء إلى الجماعة.

وإذا تأملنا هذه النصوص الغنائية القصيرة من منظور النقد الثقافي، سنجد أنها تمثل ما يمكن تسميته (بنية تربوية كامنة) داخل الثقافة الشعبية؛ فالمجتمع هنا لا يلقن الطفل القيم بصورة مباشرة، بل يبنيها داخل تجربة جمالية ممتعة، وكأن الأغنية الشعبية تمارس وظيفة المدرسة، لكن بلغة الإيقاع والخيال. وهذا ما يجعل أثرها أكثر رسوخاً في الذاكرة؛ لأن ما يُكتسب عبر الفرح يبقى في النفس أطول مما يُكتسب عبر التلقين.

ولا يقتصر حضور القيم الاجتماعية في أغاني الألعاب، بل يمتد أيضاً إلى أغاني المناسبات الشعبية التي يشارك فيها الأطفال، مثل أغاني (حق الليلة) في ليلة النصف من شعبان، ففي هذه المناسبة يردد الأطفال وهم يجوبون بيوت الفريج:

«عطونا الله يعطيكم

بيت مكة يودّيكم»

في هذا النص الشعبي البسيط تتجلى بنية رمزية لافتة؛ إذ يجمع بين الطلب والدعاء في صيغة واحدة؛ فالطفل يطلب الحلوى، لكنه في الوقت نفسه يمنح أهل البيت دعاء بالخير والبركة. وهكذا تتحول الأغنية إلى وسيلة لغرس قيم العطاء والتواصل الاجتماعي في إطار احتفالي مفعم بالفرح.

وقد أشار عالم الاجتماع إميل دوركايم إلى أن الطقوس الجماعية تؤدي دوراً محورياً في ترسيخ القيم الاجتماعية؛ لأنها تمنح السلوك معناه داخل الجماعة. ومن هذا المنظور يمكن فهم أغاني المناسبات الشعبية بوصفها طقوساً تربوية غير رسمية، يتعلم الطفل من خلالها قيم الكرم والمشاركة والانتماء.

ومن زاوية أخرى تكشف أغاني الأطفال الشعبية عن علاقة وثيقة بين الطفل والبيئة التي ينتمي إليها؛ ففي كثير من هذه النصوص تحضر عناصر الطبيعة المحلية مثل: المطر والنخل والنجوم... ومن الأغاني التي يرددها الأطفال عند نزول المطر:

«طاح المطر بيد الله

الله يخلي عبدالله»

إن هذا النص البسيط لا يصف ظاهرة طبيعية فحسب، بل يعبر عن رؤية ثقافية ترى في المطر رمزاً للخير والبركة، ومن خلال تكرار هذه العبارة يتعلم الطفل أن الطبيعة جزء من نظام كوني، يمنح الحياة معناها واستمرارها.

كما تظهر في بعض الأغاني إشارات إلى عناصر البيئة المحلية مثل: النخل والفريج والبيوت التقليدية، وهو ما يسهم في بناء علاقة وجدانية بين الطفل والمكان. وقد أشار الأنثروبولوجي كلود ليفي-ستروس إلى أن النصوص الشعبية تشكل: «خرائط رمزية للبيئة التي يعيش فيها الإنسان». ومن هنا يمكن القول إن أغاني الأطفال الشعبية في الإمارات أسهمت في تشكيل وعي مكاني مبكر لدى الطفل.

ولعل كثيراً من أبناء الجيل الذي نشأ في الأحياء الإماراتية القديمة ما زالوا يتذكرون تلك اللحظات التي كان الغناء فيها جزءاً من لعبة المساء في الفريج؛ حيث تمتزج أصوات الأطفال بالحركة والضحك، فيتحول اللعب إلى تجربة إنسانية مشتركة تصوغ ذاكرة الطفولة.

إن قراءة هذه النصوص في ضوء النقد الثقافي تكشف أن الأغنية الشعبية ليست مجرد نص بسيط، بل هي بنية رمزية تختزن خبرة المجتمع في تربية أطفاله؛ فهي تعلم الطفل اللغة عبر الإيقاع، وتغرس فيه القيم عبر المشاركة، وتربطه ببيئته عبر الخيال والوجدان.

وهكذا يمكن القول إن أغاني الأطفال الشعبية في الإمارات ليست مجرد تراث شفهي يتردد في ذاكرة الماضي، بل هي شكل من أشكال الحكمة الثقافية التي ابتكرها المجتمع لتنشئة أطفاله. ففي هذه النصوص الصغيرة تختبئ فلسفة تربوية عميقة مفادها أن المعرفة لا تولد دائماً في المدارس، بل قد تنشأ في لحظة غناء عابر بين أم وطفل، أو في لعبة جماعية في ساحة الفريج. ومن هنا فإن حماية هذا التراث ليست حفاظاً على الماضي فحسب، بل هي أيضاً حفاظ على إحدى أكثر طرائق التربية الإنسانية جمالاً وعمقاً.