عبيد إبراهيم بومحلة
* الدول الحديثة لم تعد ترى الثقافة ترفاً.. بل أصبحت جزءاً من القوة الناعمة التي تعبر عن هوية الأمم وفي السياق تقدم الإمارات نموذجاً لافتاً
يُخيّل للبشر في كل حرب، أن دويّ المدافع أعلى من صوت الكتب، لكن التاريخ يثبت أن ما يبقى هو المعنى الذي يخلّفه الأدب، لا الانفجارات، فالحرب لا تدمر المدن، وإنما تحاول أن تصادر قدرة الإنسان على الفهم، وهنا يبدأ دور الأدب. تأملت ما ذكره الكاتب الأمريكي ويليام دين هاولز، بأن الحروب لا تنتج عادة أدباً خالداً في لحظتها. أدركت أن العالم في الحروب يعود، رغم كل ما بلغه من تطور تقني، إلى حالة بدائية من الصراع، ويتحول منطق الحضارة القائم على الحوار والمعرفة إلى منطق البقاء والقوة، فيعلو صوت المدافع والصواريخ على هسيس الكتب، ويتقدّم ضجيج الأحداث السياسية على همس الأدباء، وعبّر هاولز عن هذه الفكرة: «الحرب توقف الأدب»، لأنها ليست لحظة إبداع بقدر ما هي اضطراب شامل يصيب الحضارة. ومع ذلك، فإن التاريخ الأدبي يثبت أن العلاقة بين الأدب والحرب ليست علاقة توقف مطلق، بل أقرب إلى علاقة توتر عميق يخلق لاحقاً أعظم النصوص الإنسانية.
وأرى أن الحرب لا توقف الأدب، ولكنها تؤجل نضجه، فالأدب الحقيقي يحتاج إلى مسافة زمنية كي يفهم المأساة ويعيد صياغتها إنسانياً، وكي يحوّل الصدمة إلى معرفة. فالأدب الذي يكتب في قلب الحرب يظل غالباً رد فعل، بينما ينضج حين تُرى المأساة من مسافة. لهذا نجد أن كثيراً من أعظم الروايات التي تناولت الحروب لم تُكتب في قلب المعركة، بل بعد أن استطاع الكاتب أن يرى الصورة كاملة. وتجلت هذه الرؤية في أعمال أدبية كبرى مثل رواية الحرب والسلام للكاتب الروسي ليو تولستوي، حيث لم تكتفِ الرواية بسرد المعارك، ولكنها حولتها إلى تأمل فلسفي، وحاولت فهم القوى الخفية التي تحرك التاريخ والبشر. ويعبّر تولستوي عن هذه النظرة: «أقوى المحاربين اثنان: الزمن والصبر»، في إشارة إلى أن فهم الحروب لا يتحقق في ضجيج المعارك، وإنما في المسافة التي يتيحها الزمن للتأمل.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: ماذا يعني هذا في عالمنا المعاصر، وفي منطقة تعيش توترات سياسية وعسكرية متزايدة، مثل التوترات القائمة بين إيران وعدد من دول المنطقة، ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وهل يمكن للأدب أن يكون مجرد ضحية للحرب، أم قد يكون قوة مقاومة لها؟ ويظهر سؤال ثقافي أكثر إلحاحاً: كيف يمكن للكلمة أن تحافظ على مساحة العقل في زمن التصعيد؟
في الحقيقة، يختلف دور الأدب في عصرنا عن العصور السابقة، فالدول الحديثة لم تعد ترى الثقافة ترفاً يمكن التخلي عنه في الأزمات، بل أصبحت جزءاً من القوة الناعمة التي تعبر عن هوية الأمم. وفي هذا السياق، تقدم الإمارات نموذجاً لافتاً، إذ اختارت منذ تأسيسها أن تبني مشروعها الحضاري على المعرفة والثقافة إلى جانب التنمية الاقتصادية، وهو ما جعل الثقافة جزءاً من رؤيتها المستقبلية. ولذلك لم يكن غريباً أن تصبح الجوائز الأدبية الكبرى، مثل جوائز المقال والرواية والشعر، جزءاً من المشهد الثقافي الإماراتي الذي يسعى إلى ترسيخ الفكر والحوار في زمن الاضطراب. ويبرز في هذا السياق الروائي الإماراتي حمد الحمادي، الذي صور أثر التوترات والصراعات على الإنسان في المجتمع، في رواياته مثل: ريتاج، ومن أجل غيث، ليؤكد دور الأدب في المقاومة وخلق الوعي الإنساني في أوقات الاضطراب.
وأضافت دولة الإمارات بُعداً آخر لمقولة هاولز بأن الحرب توقف الأدب، فلم توقف تروس العملية الأدبية في زمن الحرب، وظلت تغذي الأديب والمجتمع. وطرحت سؤالاً فلسفياً: كيف يمكن للأدب أن ينمو ويزدهر في عصر الاضطراب؟ وأجابت عليه عملياً، لأنها لم تتعامل معه على أنه ترف أو مجرد نشاط ثانوي يمكن تأجيله. وعملت المؤسسات الثقافية الإماراتية في زمن الحرب على خلق مساحات مغايرة من السكينة والتأمل، ليثبت الأدب أنه ليس مجرد ضحية للصراع، وأنه يمكن أن يكون مساحة للوعي والمقاومة. وتجلى هذا الدور بوضوح في الفعاليات الثقافية الكبرى التي تحولت لملاذات آمنة للعقل والفكر. فقد استمرت المؤسسات الثقافية الإماراتية في دورها من خلال الندوات والأمسيات واللقاءات الفكرية، واستمر معرض بيغ باد وولف، ومددت أيامه بسبب الإقبال الشديد من القراء، وتحول إلى ظاهرة ثقافية تعكس تعطش المجتمع إلى المعرفة والحكاية في زمن تتصاعد فيه الأحداث. ومن المشاهد التي لا تنسى فيه الحضور الكبير للعائلات، ومشهد طفل يجلس على الأرض ويقرأ كتاباً.
إن الأدب لا يعمل بوصفه تسجيلاً للأحداث، ولكنه وسيلة لفهمها. وفي الأدب تتحول الحرب إلى تجربة إنسانية كاملة نابضة بالمشاعر: خوف الجنود، قلق الأمهات، صمت المدن التي تنتظر المجهول والتي يقطعها صوت أزيز الطائرات المسيرة وانفجارات الصواريخ الاعتراضية. ولهذا فإن الأدب يمتلك قدرة فريدة على تحويل الحدث السياسي إلى سؤال إنساني: لماذا نحارب؟ وما الذي نخسره حين نختار العنف بدل الحوار؟
وهذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في وعي الإنسان المعاصر، فبدل أن يحتفي بالبطولات العسكرية، أصبح يميل إلى كشف المأساة الإنسانية التي تصاحب الحروب. ولم تعد الحرب تُرى بوصفها مجداً قوميّاً كما في الأدبيات القديمة، وأصبحت مأساة يجب تجنبها قدر الإمكان.
وفي منطقة الخليج العربي، حيث تتقاطع المصالح الدولية والتوترات الإقليمية، يصبح دور الأدب أكثر أهمية. فالكاتب لا يمتلك الجيوش ولا الصواريخ، لكنه يمتلك قوة مختلفة، هي قوة الكلمة، والتي قد تكون أحياناً أكثر قدرة على البقاء من أي سلاح. فالحروب تنتهي في النهاية، لكن النصوص التي تفسرها وتكشف آثارها تبقى جزءاً من ذاكرة البشرية.
إن التحدي الحقيقي أمام الأدباء في عالمنا اليوم، هو تحويل الخوف إلى وعي، فالأدب العظيم لا يكتفي بتسجيل الألم، وإنما يحاول فهمه ومنحه المعنى. ومن هنا تأتي أهمية الأدب بوصفه مساحة تجمع بين الفكر والإبداع، حيث يستطيع الكاتب أن يربط بين الواقع السياسي والأسئلة الإنسانية الكبرى.
وقد يكون هذا الدور ضرورياً في زمن تتسارع فيه الأحداث وتضيع فيه التفاصيل. فالأدب يبطئ الزمن، ويمنح الإنسان فرصة فهم ما يحدث، بدل الاكتفاء بردود الفعل السريعة التي تصنعها الأخبار. وربما لهذا السبب، ورغم قول هاولز إن الحرب توقف الأدب، فإن الأدب في الحقيقة ينتظر بصبر حتى تنتهي الضوضاء، ثم يبدأ مهمته الحقيقية: تفسير ما حدث للبشر.
إن المستقبل الثقافي لأي أمة لا يُقاس بقدرتها على تجاوز الأزمات فقط، ولكن هناك عنصر مهم، هو قدرتها على تحويل تلك الأزمات إلى معرفة. وقد استثمرت دولة الإمارات كثيراً في التعليم والثقافة، لذلك تملك فرصة مهمة لتكون مركزاً للأدب الذي يفسر تحولات المنطقة ويمنحها صوتاً إنسانياً في العالم.
وفي النهاية، قد تتوقف المطابع أحياناً بسبب الحرب، وقد يصمت الشعراء والكتاب لبعض الوقت، لكن الأدب لا يموت. فحين تنتهي المعارك، يعود البشر دائماً إلى القصص ليبحثوا عن معنى لما حدث. وهنا يبدأ الأدب دوره الحقيقي: فهو لا يمجد الحرب، وإنما يكشف هشاشتها، ويذكرنا بأن الإنسان، مهما اشتد الصراع حوله، يظل في حاجة إلى كلمة تمنحه الأمل، وتمنع الذاكرة من أن تتحول إلى مجرد صمتٍ يتخلّله دويّ المدافع.