•الهوية ليست مجرد بطاقة تعريف ولا مجرد حضور على الشاشة.. هي علاقة بالأرض وباللغة وبالبيت وبالقيم لكنها في عالم المحتوى تُختزل أحياناً إلى «قناع»
كنت أتأمل مشهد قمة المليار متابع في دبي، لا كحدثٍ إعلامي بقدر ما هو «مرآة مجتمع» تعكس كيف تغيّرت حياتنا اليومية مع المحتوى، ثلاثة أيام، من 9 إلى 11 يناير 2026، بين أبراج الإمارات، ومركز دبي المالي العالمي، ومتحف المستقبل.. ومع كل هذا الزخم، كانت الرسالة واضحة: المحتوى اليوم لم يعد ترفاً، بل صار لغة عامة، وعادة اجتماعية، وأحياناً معياراً غير معلن للحضور والقيمة.
شعار القمة كان مطمئناً: «المحتوى الهادف» لكن خلف جمال الشعار، ظهر سؤال اجتماعي لا يمكن تجاهله: ماذا يفعل هذا المحتوى بنا كأفراد وبأسر وبشباب؟ هل يقرّبنا من ذواتنا ومن قيمنا.. أم يجرّنا إلى سباق جديد عنوانه «الأرقام»؟ ومن هنا بدأت أفكر في الخدعة التي لا تُقال بصوت عالٍ: أن نعتاد قياس القيمة بما يلمع، لا بما يُصلح ويغيّر، وأن نصفّق للانتشار بينما أثره الحقيقي يحدث في بيوتنا، وفي علاقاتنا، وفي هدوء الناس أو قلقهم.
أنا لا أهاجم صناعة المحتوى ولا أقلل من أثرها، بل على العكس، أعتقد أن الإمارات حين تؤطّر هذه الصناعة وتفتح لها منصات تعليمية وتجمعات عالمية، فهي تُدخل الفوضى إلى النظام، وتحوّل «الهواية» إلى «مسؤولية»، وهذه نقطة تُحسب؛ لأن المحتوى حين يصبح صناعة، يصبح قابلاً للحوكمة، للمعايير، وللمساءلة، لكن الخطر يبدأ حين يتحول النظام نفسه إلى سجن ذهبي: سجن الأرقام.
الخدعة الأولى ليست في أن نحب الأرقام.. بل في أن نصدق أنها الحقيقة
في زمن المنصات، أصبح الرقم يُعامل وكأنه شهادة قيمة نهائية، عدد المتابعين، حجم المشاهدات، نسبة التفاعل.. كلها صارت عند كثيرين هي المعيار الأول، وربما الوحيد، لكن الحقيقة أن هذه كلها مؤشرات وليست جوهر القيمة، فالفرق كبير بين أن يراك عدد كبير من الناس، وبين أن تترك فيهم شيئاً يستحق البقاء.
أنا أؤمن أن المحتوى الهادف لا يُعرَف من «ضجيجه» بل من «أثره»، وقد يكون أثره صامتاً: فكرة تغيّر قراراً، جملة تمنع انهياراً، أو معرفة تبني عادة.
وهنا تكمن المفارقة: نحن لا نصنع المحتوى فقط، بل المحتوى يعيد تشكيلنا أيضاً، هو الذي يعيد ترتيب انتباهنا، ويؤثر في ذائقتنا، ويصنع علاقتنا مع المعرفة، صبرنا على القراءة، وحتى طريقتنا في التفكير، ومن أخطر ما يصنعه المحتوى اليوم: تعويدنا على «النتيجة السريعة» بدل «الفهم العميق» كأن المعرفة صارت وجبة خفيفة؛ تشبع لحظة، وتجوّع معنى.
ثم تأتي الخدعة الثانية من باب أضيق: أن نلبس الهوية بدل أن نعيشها
في مجتمع مثل مجتمعنا، الهوية ليست مجرد بطاقة تعريف ولا مجرد حضور على الشاشة، الهوية عندنا هي علاقة بالأرض، وباللغة، وبالبيت، وبالقيم. لكنها في عالم المحتوى تُختزل أحياناً إلى «قناع»، أصبح من السهل أن نصنع شخصية جاهزة: مدرب يلقي الحكمة كل صباح، مؤثرة تبيع الهدوء في عشر ثوانٍ، خبير يجيب عن كل شيء بثقة كاملة.. ثم نصدق الدور، وننسى الإنسان، وهنا أقول رأيي كما هو: أنا لا أخشى من المحتوى.. بل من المحتوى حين يتخفّى في ثوب الوعي، حين يستخدم لغة التنمية البشرية ليبيع ضغطاً جديداً، ولغة الإلهام ليزرع مقارنة، ولغة «كونك أفضل نسخة» ليقنعك أنك دائماً ناقص.
المحتوى الجميل في ظاهره قد يصير قاسياً في أثره: يعلّمنا أن نعرض حياتنا بدل أن نعيشها، أن نلتقط صورة للفرح بدل أن نتذوقه، أن نحول التجربة إلى مادة.. قبل أن تصبح حكمة.
أما الخدعة الثالثة فهي الأخطر؛ لأنها ترتدي لباس الفضيلة.
حين يتحول «المحتوى الهادف» إلى عنوانٍ جميل، فقد يتحول الخير إلى ملصق، أن نعلن النية الطيبة، بينما أدواتنا تدفع الناس إلى العكس: استعجال، تشتيت، واستنزاف إنساني لا يظهر في الصورة لكنه يبقى في الداخل.
لا أحد يختلف على أهمية هذا الشعار «المحتوى الهادف»، خصوصاً في بيئة مثل الإمارات التي تراهن على الإنسان، وعلى الصورة الحضارية، وعلى المسؤولية في الخطاب العام، لكن التحدي ليس في الشعار نفسه، بل في المسافة بين الشعار والممارسة.
وهنا أقف عند نقطة شخصية: في عصر الخوارزميات، أصبح «الانتباه» سلعة، وأصبح الإنسان مشروعاً قابلاً للبيع، وكلما قبلنا أن نقاس بالانتشار وحده، اقتربنا من زمن يربح فيه المحتوى ويخسر فيه الإنسان.
دبي.. بين اقتصاد المحتوى واقتصاد المعنى
ربما أجمل ما في قمة المليار متابع أنها تضعنا أمام الحقيقة بدون تجميل: صناعة المحتوى كبرت إلى درجة أنها تستحق قمة عالمية، ومؤسسات، واستثمارات، وحضوراً بالآلاف، ونقاشاً جاداً.
والأجمل في دبي أنها لا تحتفي بالحجم وحده، بل تحاول - كما اعتدنا منها - أن تربط النجاح بالمعنى، والتوسع بالقيمة، والمستقبل بالمسؤولية، وربما لهذا لم يكن وجود متحف المستقبل مجرد اختيار مكاني، بل رسالة رمزية عميقة: أننا لا نريد مستقبلاً يبهرنا فقط، بل مستقبلاً يليق بنا.
ومن هنا، فإن البوصلة الأصدق في صناعة المحتوى لا تختصرها الخوارزميات، بل تختصرها مبادئ واضحة:
المحتوى الذي يزيد القلق، حتى لو بدا جذاباً، ليس دائماً معرفة.
والترند، مهما ارتفع، لا يبني وعياً بالضرورة، بل قد يربي الاستعجال.
أما المحتوى الذي يرفع شعار الخير، فعليه أن يثبت هذا الخير في وسيلته قبل رسالته.
في النهاية، ليست القضية دعوة إلى مناهضة المحتوى، ولا رفضاً للتكنولوجيا، ولا حنيناً إلى زمن مضى، القضية ببساطة أن نحافظ على عدالة المعيار:
أن يبقى المعنى أكبر من الرقم، وأن تظل القيمة أعمق من الانتشار، وأن نحمي الإنسان داخل المجتمع من أن يتحول إلى رقم، أو إلى صورة، أو إلى «مشروع انتباه» تلتهمه الخوارزميات.
بعد قمة المليار متابع، ربما لا يكون السؤال الأجدر أن نحمله معنا:
كم شخصاً تابعني؟
بل:
كم معنى بقي بعد كل هذا الظهور؟