ترسّخ في الوعي القرائي الحديث تصوّر يربط شعرية النص بمدى اقترابه من اللغة اليومية، تلك التي تنفذ إلى المتلقي بيسر ولا تُثقله بتعقيد المعجم أو وعورة المفردة. غير أن هذا التصوّر، حين يؤخذ على إطلاقه، يكاد يُقصي طبقة ثرية من الإمكانات التعبيرية التي تختزنها العربية في مستوياتها المعجمية العميقة.

في تجربة الشاعر الإماراتي الراحل محمد خليفة بن حاضر، يتبدّد هذا الالتباس؛ إذ لا تبدو المفردة الغريبة عائقاً أمام التلقي، بقدر ما تتحول، ضمن نسيج فني محكم، إلى عنصر جمالي فاعل، يثري الدلالة ويضاعف من أثرها. نحن إزاء لغة لا تتباهى بوعورتها، ولا تستعرض مخزونها الثقافي، بل تُفعّل هذا المخزون بانسيابية تُبقي التجربة الشعرية صافية ومتصلة.

تتجلى هذه الخصيصة بوضوح في همزيته التي مدح بها القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث يفتتح نصه بصورة استهلالية لافتة:

ما للرمالِ بطاحُها خضراءُ؟

أتنصلتْ مِنْ لونِها الصحراءُ؟

منذ هذا المطلع، يشرع الشاعر في بناء عالمه اللغوي، مُعيداً تعريف العلاقة بين اللفظة المعجمية وسياقها. فالمفردة، في شعره، لا تُقرأ بوصفها وحدة مستقلة، بل بوصفها جزءاً من شبكة دلالية تتكشّف عبر ما يمكن تسميته بـ«حركية التجاور». فعندما يقرن بين «الجدب» و«الرمضاء» في سياق الاجتياح، يفتح أمام المتلقي أفقاً تأويلياً يجعل من اللفظة الغريبة امتداداً طبيعياً لمعناها:

أنا لا أرى الكثبانَ تجتاحُ المدى

بالجدبِ، أو تجتاحُها الرمضاءُ

وعلى المنوال ذاته، تتكفّل العلاقة بين الفعل وفاعله بتفكيك غموض المفردة، كما في قوله:

ونباتُها نُتَفٌ مبعثرةٌ، كما

عصفتْ بريشِ نعامةٍ نكباءُ

فدلالة «العصف» تقود الذهن تلقائياً إلى معنى «النكباء» بوصفها ريحاً عاتية، دون حاجة إلى وسيط معجمي. هنا، تتحول البنية النحوية ذاتها إلى أداة تفسير ضمنية، تُسهم في تسهيل التلقي دون الإخلال بعمق اللغة.

ويبلغ الاشتغال البلاغي ذروته في توظيف التشبيه المركّب، حيث تتجاور صورتان لتوليد معنى ثالث أكثر كثافة. ففي قوله:

وليقبسوا منكَ الضياءَ، كأنهمْ

شُهُبٌ ووجهُكَ يا أميرُ ذُكاءُ

لا يحتاج القارئ إلى تفكيك لفظة «ذُكاء» في معجم؛ إذ تتكشّف دلالتها من خلال البنية التشبيهية التي تقابل بين الشهب ومصدرها الأعظم، بما يحيل ضمنياً إلى الشمس بوصفها مرجع الضوء الأسمى.

أما في الصورة التالية:

وتناسقتْ أشجارُها هُدُباً، إذا

ما أرسلتْها مقلةٌ وطفاءُ

فإن الشاعر يُشيّد علاقة بصرية دقيقة بين «الأشجار» و«الأهداب»، بحيث يغدو معنى «وطفاء»، على غرابته، واضحاً عبر التماثل الشكلي والتناسق الإيقاعي بين طرفي التشبيه. هنا، لا تُفهم الكلمة عبر تعريفها القاموسي، بل عبر تمثّلها الجمالي في ذهن المتلقي.

وبهذه الآليات، ينجح محمد بن حاضر في إعادة الاعتبار إلى اللغة المعجمية، لا بوصفها عبئاً على النص، بل بوصفها طاقة كامنة قابلة للتفعيل الجمالي. إنه يوازن بمهارة بين جزالة اللفظ وسلاسة التلقي، مؤكداً أن الشعر لا يُقاس بمدى بساطته السطحية، بل بقدرته على تحويل التعقيد إلى تجربة شعورية شفافة، لتتبدى تجربة الشاعر بوصفها مشروعاً لغوياً وجمالياً في آن، حيث تتآلف الفصاحة مع الخيال، ويغدو المعجم، على اتساعه، حليفاً للدهشة لا خصماً للمتلقي.