في قلب منطقة الشندغة التاريخية، حيث التقطت دبي أول أنفاسها التجارية وانطلقت منها رحلات الغوص والبحث عن اللؤلؤ، اختار المصور الشاب أحمد بدوان أن يضع بصمته الفنية ضمن مهرجان «سكة للفنون والتصميم». لم يكن حضور بدوان عبر معرضه «أشرعة من الذاكرة» مجرد مشاركة عابرة، بل كان رحلة بصرية توثق صراع الإنسان مع البحر وعلاقة الأجيال بموروث الأجداد.

ويؤكد أحمد بدوان أن اختياره لمحور السباقات البحرية للمحامل الشراعية ليس وليد المصادفة، وأنه نتاج أرشيف صحفي ضخم بدأ في تكوينه منذ عام 2017. ويقول، خلال حديثه لـ«البيان»: «أمتلك مجموعة كبيرة من الصور الصحفية التي التقطتها في مختلف إمارات الدولة، ولكن الصور البحرية لها خصوصية شديدة لدي؛ لذا قررت تكوين ملف كامل يستعرض سباقات المحامل الشراعية بمختلف فئاتها وأحجامها».

ويوضح أن هذه المحامل تتجاوز كونها مجرد خشب وشراع، لتغدو عالماً هندسياً وتراثياً معقداً يضم فئات وطرقاً متعددة في السباقات، وهو ما حاول إبرازه من خلال معرضه الشخصي الأول. ويرى أن دوره كمصور لا يقتصر على التقاط «كادر» جميل، وأن ثمة دوراً أهم يتمثل في حماية الهوية الوطنية.

ويشير إلى أن البعض قد يستخف بهذه المحامل أو يتساءل عن جدوى إقامة سباقات لها في عصرنا الحالي، مضيفاً: «نحن بهذه المسابقات نحيي التراث ونحافظ عليه ليعيش مع الأجيال القادمة. لولا هذه الفعاليات لاندثرت هويتنا البحرية، ومهمتي كوثائقي هي نقل هذه الصورة إلى الجيل الجديد ليعرف قيمة ما تركه الأجداد».

ويتميز أسلوب بدوان في هذا المعرض بالدمج بين الجماليات الفنية والقصة الصحفية؛ فهو لم يكتفِ بالتركيز على الألوان والزوايا الفنية، بل بات يبحث عن الحكاية خلف كل صورة، ويواجه التحديات بصور تُظهر طواقم المحامل في عرض البحر (على بعد 60 ميلاً من الساحل) إلى جانب ناقلات النفط العملاقة، وبلقطات توثق لحظات الاستعداد من الفجر، وصراع الأمواج، والتعايش مع الطيور المهاجرة في قلب الخليج.

شغف وتحديات

ولم تخلُ رحلة التوثيق من المصاعب، فالعمل في البحر يتطلب مجهوداً شاقاً يبدأ برحلة تستغرق 6 ساعات للوصول إلى نقاط الانطلاق. ويتحدث بدوان عن التحديات قائلاً: «كثيراً ما يتم إلغاء السباقات بعد الوصول إلى مسافات بعيدة بسبب الرياح».

ويستذكر بدوان بابتسامة خسارته لأول كاميرا اقتناها في عام 2009 خلال إحدى جولاته البحرية المبكرة، التي كانت الدافع وراء شغفه الحالي، وكيف نجح في مواجهة المخاطر التي تهدد سلامة المعدات بسبب ملوحة المياه والأمواج العاتية.

وعن الأصداء الإيجابية التي حققها معرضه الأخير في «سكة»، يؤكد بدوان أن دبي نجحت في أن تكون حاضنة للمواهب الشابة، ويحكي كيف فوجئ زوار المعرض بأن صوره حقيقية وحديثة، وليست رسوماً أو صوراً من الماضي البعيد، منوهاً بأن هذا دليل نجاح رسالته في إثبات أن التراث الإماراتي لا يزال حياً.