انطفأ صوت كان يشبه ذاكرة الخليج، وغابت ملامح ظلّت لعقودٍ مرآة للإنسان البسيط وهمومه؛ فبرحيل الفنانة الكويتية حياة الفهد، تطوى صفحة استثنائية من تاريخ الدراما الخليجية، وتترك خلفها إرثاً فنياً راسخاً يصعب تجاوزه.
لم تكن مسيرة الراحلة مجرد حضور فني عابر، بل حكاية كفاح بدأت منذ طفولتها في الكويت، حيث شكّلت المسؤولية المبكرة ملامح شخصيتها الصلبة، قبل أن تخط أولى خطواتها في ستينيات القرن الماضي، وتتحول تدريجياً إلى واحدة من أبرز صانعات الدراما في الخليج، ممثلة وكاتبة ومنتجة، استطاعت أن تمزج بين الحس الإنساني العميق والطرح الاجتماعي الجريء.
وعبر عقود طويلة، رسّخت حياة الفهد حضورها كـ«سيدة الشاشة الخليجية»، مقدّمة أعمالاً لامست تفاصيل الحياة اليومية، وعبّرت عن تحولات المجتمع، سواء في الكوميديا الاجتماعية أو في الدراما التراجيدية التي برعت فيها، حيث جسّدت نماذج المرأة المكافحة والأم الصابرة، لتغدو رمزاً فنياً وثقافياً يتجاوز حدود الشاشة.
وإذا كانت شراكاتها اللاحقة قد كرّست حضورها، فإن البدايات التي انطلقت منها ظلّت الأكثر رسوخاً في الذاكرة، حيث قدّمت الراحلة عبر أعمال أصبحت جزءاً من وجدان المشاهد الخليجي والعربي ملامح مشروعها الفني المبكر؛ من «خالتي قماشة» التي لامست فيها روح الأسرة الشعبية، إلى «رقية وسبيكة» بما حمله من خفة ظلّ ونقد اجتماعي، مروراً بــ«خرج ولم يعد» و«على الدنيا السلام» اللذين عكسا قدرتها على المزج بين الكوميديا والطرح الواقعي، وصولاً إلى «إلى أبي وأمي مع التحية» الذي قدّمت فيه صورة إنسانية عميقة للأسرة الخليجية؛ إنها أعمال لم تكن مجرد محطات عابرة، بل أسست لأسلوبها الخاص، ورسّخت حضورها كصوت فني صادق يعبّر عن الناس وقضاياهم.
كما شكّلت ثنائيتها مع الفنانة سعاد عبدالله علامة فارقة في تاريخ الدراما الخليجية، حيث التقت تجربتان إنسانيتان وفنيتان لتصنعا معاً أعمالاً خالدة ما زالت تُعرض وتُتابع حتى اليوم، مستندة إلى كيمياء أداء نادرة جمعت بين العمق والبساطة، وبين الكوميديا الرشيقة والطرح الاجتماعي الذكي.
وتجلّت هذه الثنائية في أعمال بديعة، حيث استطاعتا أن تقدّما شخصيات نابضة بالحياة، تعكس نبض المجتمع الخليجي وتفاصيله اليومية، لتبقى هذه الشراكة الفنية واحدة من أكثر الثنائيات رسوخاً وتأثيراً في ذاكرة الجمهور العربي.
علاقة خاصة
وتمضي ملامح هذا الحضور متشابكة مع علاقتها الخاصة بالإمارات، التي رأت فيها فضاءً فنياً وإنسانياً ملهماً، إذ عبّرت في أحد حواراتها عن عشقها لتصوير أعمالها في ربوعها، ووصفتها بأنها «منطقة جميلة من خليجنا العربي» تربطها بها علاقة خاصة.
ولم يكن هذا الارتباط عابراً، بل تجلّى في حرصها على اختيار مواقع إماراتية لتصوير أعمالها، وفي انفتاحها على تجارب إنتاجية تسعى إلى التجديد والابتعاد عن النمطية، من خلال تقديم دراما تمزج بين هموم الناس اليومية وروح الكوميديا الراقية.
كما عكست تجربتها دعماً واضحاً للمواهب الشابة، وإيماناً بأهمية ضخ دماء جديدة في المشهد الفني، وهو ما جعل حضورها يتجاوز حدود الأداء إلى دورٍ أعمق في صناعة الأجيال، وترسيخ استمرارية الدراما الخليجية.
تعاون فني
وفي سياق تجربتها الممتدة، برزت شراكتها مع مؤسسة دبي للإعلام بوصفها إحدى المحطات المفصلية في مسيرتها، حيث أسهم هذا التعاون في تقديم أعمال نوعية حافظت على وهج الدراما الخليجية ووسّعت دائرة انتشارها. وقد شكّل عرض أعمالها على شاشة تلفزيون دبي، ومنها مسلسل «مع حصة قلم»، إلى جانب أعمال بارزة مثل «الداية»، و«جرح السنين»، و«الحيالة»، التي شكّلت حضوراً لافتاً لها على الشاشة، وأسهمت في ترسيخ مكانتها لدى جمهور الدراما الخليجية.
ولم يكن هذا التعاون مجرد علاقة إنتاجية، بل شراكة إبداعية قائمة على الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة، انعكست في حرص الفنانة الراحلة على تقديم محتوى يوازن بين العمق الفني والجاذبية الجماهيرية، وهو ما جعل أعمالها على شاشة دبي تحظى بمتابعة واسعة وتقدير نقدي لافت، مسهمة في ترسيخ مكانة الدراما الخليجية على خريطة الإنتاج العربي.
لقد كانت الراحلة أكثر من فنانة؛ كانت مشروعاً ثقافياً متكاملاً، أعاد تعريف دور المرأة في الدراما الخليجية، وفتح آفاقاً جديدة أمام الأجيال اللاحقة. ومع رحيلها، تفقد الشاشة الخليجية أحد أعمدتها الراسخة، لكن أثرها سيظل ممتداً في كل عملٍ صادق، وكل حكاية تنبض بروح الإنسان الخليجي، الذي آمنت به وجعلته محور فنها وحياتها.
نموذج ملهم
وأكد منير محمد إبراهيم، مدير إدارة القنوات التلفزيونية العامة في مؤسسة دبي للإعلام، في تصريح لـ«البيان»، أن رحيل الفنانة الكويتية حياة الفهد يمثّل خسارة كبيرة للساحة الفنية العربية، لما قدّمته من مسيرة استثنائية أسهمت في ترسيخ حضور الدراما الخليجية وتعزيز مكانتها، مشيراً إلى أن تعاونها مع مؤسسة دبي للإعلام شكّل نموذجاً ملهماً للشراكات الفنية التي أثرت المحتوى الدرامي وقدّمت أعمالاً ذات قيمة إنسانية وثقافية رفيعة.
وقال: «ببالغ الحزن والأسى، ننعى رحيل قامة فنية كبيرة بحجم الفنانة حياة الفهد، التي شكّلت عبر عقود طويلة أحد أبرز أعمدة الدراما الخليجية، وصوتاً إبداعياً صادقاً عبّر عن قضايا المجتمع وهموم الإنسان العربي بعمق ومسؤولية.
لقد مثّلت شراكتها مع مؤسسة دبي للإعلام نموذجاً رائداً للتعاون الفني المثمر، حيث أسهمت أعمالها في إثراء المحتوى الدرامي، وترسيخ حضور الدراما الخليجية على الخريطة العربية، بما حملته من قيم إنسانية ورسائل فنية راقية».
وأضاف: «إننا نعتز بما جمعنا بها من تعاون بنّاء، ونستذكر بكل تقدير إسهاماتها التي ستبقى حيّة في وجدان الجمهور، وإرثها الذي سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة من المبدعين. ونتقدّم بأحرّ التعازي إلى أسرتها ومحبيها، سائلين الله أن يتغمّدها بواسع رحمته، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان».
علامة فارقة
وأكد المنتج يوسف الغيث، مدير أعمال الفنانة الراحلة حياة الفهد، أن تاريخ الدراما الخليجية لا يمكن قراءته بمعزل عن مسيرة «سيدة الشاشة الخليجية»، واصفاً إياها بـ«العلامة الفارقة التي جسدت توازناً فريداً بين الموهبة الفطرية والالتزام المهني والصدق في الأداء».
وأوضح الغيث أن الفنانة الراحلة استطاعت، عبر مسيرتها الطويلة، ملامسة قضايا المجتمع بجرأة لافتة ووعي عميق، ما مكّنها من بناء إرث فني راسخ في ذاكرة الجمهور العربي، بفضل ما تحمله أعمالها من رسائل إنسانية وقيم فنية رفيعة.
وفي سياق ذكرياته المهنية والشخصية، أشار الغيث إلى الـ17 عاماً التي قضاها إلى جانبها، مؤكداً أنها لم تكن مجرد رفيقة درب فني، بل كانت أماً حنوناً للجميع، ومعلمة ملهمة تفيض بالإنسانية.
وذكر أن التجربة معها تجاوزت تعلم أصول الفن لتشمل دروساً في الأخلاق والالتزام، معتبراً كل لحظة قضاها في رحابها درساً لا يُمحى.
وشدد يوسف الغيث على أن حياة الفهد تعد أحد أهم الأعمدة التي أسهمت في ترسيخ مكانة الدراما الخليجية على الخريطة العربية، لافتاً إلى أن حضورها الاستثنائي وتأثيرها الممتد سيبقى حياً من خلال إرثها الفني الذي لا يُنسى.
إرث لا يمحى
من جانبه، أعرب الفنان الإماراتي القدير أحمد الجسمي عن حزنه العميق برحيل الفنانة القديرة حياة الفهد، واصفاً نبأ وفاتها بـ«الحزين والمربك الذي عمّ أثره الوطن العربي بكامله»، ومؤكداً أن الفقد ليس لعائلتها فحسب، بل هو مصاب لكل بيت خليجي اعتبر الراحلة جزءاً من كيانه الأسري.
وأوضح الجسمي أن الراحلة تركت إرثاً فنياً وأثراً كبيراً لا يمحى، مشيراً إلى أن شخصياتها الدرامية الخالدة، مثل «خالتي قماشة»، جعلتها ساكنة في وجدان الجمهور الخليجي والعربي، ما يجعل العزاء ممتداً من الكويت إلى أرجاء الوطن العربي كافة.
واستذكر مناقب الراحلة، مشيداً بـ«صدقها المطلق» في العطاء والحوار والعمل، حيث أشار إلى أنها كانت تتسم بالوضوح التام والصراحة في إبداء الرأي دون زيف، مع امتلاكها شجاعة الاعتذار عند الخطأ، مؤكداً أنها كانت تبدي ما في داخلها بكل حب وأريحية.
وعلى الصعيد المهني، أكد الجسمي القيمة الفنية الكبيرة التي أضافتها الراحلة لزملائها، موضحاً أنها كانت تبذل جهداً إنسانياً كبيراً لإيصال المعلومة ومساعدة الممثلين الذين يقفون أمامها، مبيناً أن الوقوف أمام قامة فنية بمثل أحاسيسها العالية كان يفرض على الفنان توازناً كبيراً ليرتقي إلى مستوى أدائها الاحترافي.
وقال: «أعترف بأنني استفدت استفادة كبيرة من الوقوف أمام سيدة الشاشة الخليجية، وتعلمت منها الكثير حول توظيف الأحاسيس والمشاعر في الأداء الدرامي»، منوهاً بأن رحيل «أم سوزان» يمثل خسارة فادحة للفن الخليجي، وأن عطاءها الفني وما زرعته من ضحكات ودموع في قلوب المشاهدين، كل ذلك سيظل حياً وخالداً في الذاكرة العربية.
أيقونة لن تتكرر
ونعى الفنان الدكتور حبيب غلوم، الأمين العام لجمعية المسرحيين، ببالغ الحزن والأسى رحيل الفنانة القديرة حياة الفهد (أم سوزان)، واصفاً رحيلها بأنه «خسارة جسيمة» لا تقتصر على منطقة الخليج العربي فحسب، بل تمتد لتشمل العالم العربي أجمع.
وأكد الدكتور غلوم أن الفقيدة كانت «أيقونة لن تتكرر»، مستذكراً بداياتها الفنية التي اتسمت بالشجاعة والإتقان، وموضحاً أن الراحلة قدمت درساً في «التشخيص الفني» وحرفية الأداء منذ عام 1970، حين تجرأت على تقديم دور «الحدباء» بإتقان لافت، في زمن كانت تحيط بالعمل الفني الكثير من القيود والتحفظات الاجتماعية.
وأشار إلى أن تلك الانطلاقة جعلت منها «حديث الوسط الفني» وقدوة لبنات جيلها، حيث استطاعت منذ منتصف الستينيات أن ترسخ وجودها كمبدعة استثنائية، مشدداً على القيمة الفنية الكبيرة للراحلة.
وعن تجربته الشخصية، أعرب الدكتور حبيب غلوم عن فخره واعتزازه بالعمل مع الفنانة الراحلة حياة الفهد في أكثر من عمل فني، مؤكداً أن هذه التجارب أضافت إليه الكثير على الصعيدين المهني والإنساني.
واختتم الدكتور حبيب غلوم حديثه بتقديم خالص التعازي والمواساة لابنتها «سوزان» ولأسرتها الكريمة، وللوسط الفني في دولة الكويت، وللزملاء ومدير أعمالها يوسف الغيث، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمد الفقيدة بواسع رحمته وغفرانه.
قامة مهمة
وأعربت الفنانة هيفاء حسين عن حزنها الشديد لوفاة الفنانة القديرة الراحلة حياة الفهد، واصفة رحيلها بـ«الخسارة الكبيرة للوسط الفني في الكويت والخليج العربي كافة».
وذكرت هيفاء أنها تلقَّت الخبر بصدمة كبيرة برغم علمها بتدهور الحالة الصحية للراحلة في الأيام الأخيرة، مشيرة إلى أنها لم تستوعب النبأ في بدايته وطلبت من زوجها الفنان حبيب غلوم التأكد من صحته من شدة التأثر.
وأكدت أن الساحة الفنية فقدت قامة مهمة وتاريخاً طويلاً من العطاء، لافتة إلى أن أهم الأعمال الدرامية الخليجية ارتبطت باسم الراحلة، سواء عبر الإنتاج أو من خلال أدوار البطولة الخالدة التي قدمتها.
واستذكرت هيفاء حسين بداياتها الفنية قبل نحو 26 عاماً، حين التقت بالراحلة في مسلسل «عيال الذيب»، الذي صُور في قطر، مؤكدة أنها برغم كونها مبتدئة آنذاك، تعلمت الكثير من إحساس الراحلة والتزامها المهني العالي.
وأوضحت أن الراحلة كانت تتمتع بهيبة وحضور طاغٍ في مواقع التصوير، يقابله تواضع جم في التعامل مع الجميع، وحرص شديد على أدق تفاصيل العمل كالحفظ والتركيز، وقالت: «فقدنا إنسانة قبل أن تكون فنانة».
واختتمت هيفاء حسين حديثها بالترحم على الفقيدة، مؤكدة أن الفنانين المؤسسين والمخضرمين يمثلون مدرسة تستمد منها الأجيال الحالية الخبرة والفن والطاقة الإيجابية، داعية بالصحة وطول العمر لمن بقي منهم من رموز الفن الخليجي.
أم حنون
وبكلمات ملؤها الحزن والوفاء، استذكر المخرج منير الزعبي مسيرة الفنانة الراحلة حياة الفهد، واصفاً إياها بأنها لم تكن مجرد قامة فنية، بل كانت «الأم الحنون» والمدرسة التي تخرجت فيها أجيال من الفنانين والمخرجين في الخليج والعالم العربي.
وأشار الزعبي إلى أن علاقته بالراحلة تمتد أكثر من 30 عاماً، حيث بدأ مشواره معها عام 1996 عندما كان طالباً يعمل مساعد مخرج، موضحاً أن الفهد كانت تمتلك نظرة استشرافية للمواهب الشابة، ومستحضراً كلماتها المؤثرة له في أول لقاء بينهما حين قالت: «إن شاء الله سيأتي اليوم الذي تُخرج لي فيه عملاً».
وأكد الزعبي أن هذه الكلمات ظلت محفورة في ذاكرته طوال 19 عاماً، حتى تحقق الوعد في عام 2015 من خلال مسلسل «حال مناير»، وهو العمل الذي حقق نجاحاً منقطع النظير على مستوى الوطن العربي، معرباً عن سعادته الكبيرة بتلك التجربة وباحتفاء الراحلة بها.
وأوضح المخرج منير الزعبي أن حياة الفهد كانت تجسد معنى الأم داخل موقع التصوير، حيث كانت تحتوي الجميع وتفتح قلبها لكل من يلجأ إليها، منوهاً بأنها كانت الملاذ للفنانين والفنانات، سواء لحل مشكلاتهم أو لتقديم الاستشارات الفنية، وأنها لم تترد يوماً في العطاء وتقديم الخير للجميع.
ولفت الزعبي إلى أن الراحلة كانت الداعم الأول للشباب، مشيراً إلى حرصها الدائم على ظهور الوجوه الشابة في أعمالها، مضيفاً أن دعمها لم يقتصر على الممثلين فقط، بل امتد ليشمل المخرجين الشباب الذين خاضوا تجاربهم الإخراجية الأولى تحت رعايتها وإيمانها بطموحهم.
