في فترة بدت فيها المنطقة أمام تحوّلات وظروف متسارعة، ألقت بظلالها على المشهد العام، حافظت دولة الإمارات على نبضها الثقافي والفني متّقداً، مؤكدة أن الإبداع فيها ليس فعلاً عارضاً، بل مساراً مستمراً يتجاوز التحديات، ويعيد إنتاج الحياة عبر المعرفة والجمال.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تواصلت الفعاليات الثقافية في مختلف إمارات الدولة بإيقاع لافت، لتشكّل مشهداً حيوياً يعكس صلابة البنية الثقافية الإماراتية، وقدرتها على الاستمرار والتجدد، حتى في الظروف الاستثنائية.
فقد ظلّت المكتبات والمسارح والمعارض والفضاءات الإبداعية تعمل بوصفها ساحات مفتوحة للحوار والتفاعل، محافظةً على حضور الجمهور، ومجددةً صلته بالكتاب والفن والفكر.
وجاء هذا الزخم المتواصل ليؤكد أن الثقافة في الإمارات لم تتوقف عند حدود الظرف، بل تحوّلت إلى مساحة مقاومة إيجابية، تعيد بناء المعنى، وترسّخ دور الفعل الثقافي كأداة للتماسك المجتمعي، وتعزيز الاستقرار المعرفي، بما يعكس رؤية وطنية تعتبر الإبداع ركيزة من ركائز الاستمرارية والتنمية.
رسّخت وزارة الثقافة حضورها عبر حزمة من الفعاليات التي عكست رؤيتها في بناء مجتمع معرفي متماسك، يتكئ على القراءة بوصفها مدخلاً أصيلاً للتنمية الثقافية. فقد أطلقت الوزارة فعاليات «الشهر الوطني للقراءة»، تحت شعار «نمو وانتماء»، متسقةً مع إعلان 2026 «عام الأسرة»، في تأكيد واضح على دور الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى لغرس شغف المعرفة، وتعزيز القيم الوطنية في نفوس الأجيال. وتوزعت الأنشطة بين مبادرات مجتمعية وبرامج معرفية، استهدفت مختلف الفئات العمرية، مع تركيز لافت على إشراك العائلات في الفعل القرائي، بما يعزز الروابط الاجتماعية، ويعمّق حضور الكتاب في الحياة اليومية. كما عكست هذه الفعاليات توجهاً مؤسسياً نحو تكامل الأدوار بين الجهات الثقافية، بما يسهم في ترسيخ الهوية الإماراتية، وإبرازها في سياق معاصر.
باقة متجددة
وواصلت هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» نشاطاتها، بوصفها محركاً رئيساً للحراك الإبداعي في الإمارة، عبر باقة متجددة من الفعاليات التي تندرج ضمن «موسم دبي الفني 2026»، الممتد حتى أواخر أبريل، الذي يجمع تحت مظلته طيفاً واسعاً من البرامج الفنية والأدبية.
وشهد شهر مارس الماضي زخماً لافتاً مع تواصل المعارض الفنية والبرامج التفاعلية، التي أتاحت للجمهور الانخراط في تجارب ثقافية متعددة، إلى جانب الفعاليات المرتبطة بالموسم الرمضاني، والتي مزجت بين البعد التراثي والطرح المعاصر.
كما برزت جهود «دبي للثقافة» في دعم الفنون الأدائية والمواهب الشابة، مع إطلاق مبادرات وفعاليات نوعية، تعكس ثراء المشهد الإبداعي المحلي، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الفنانين الناشئين، بالتوازي مع استمرار البرامج المتخصصة في الخط العربي والفنون البصرية. ولم تغب الفعاليات القرائية والأدبية عن المشهد، إذ واصلت الهيئة تعزيز ثقافة القراءة عبر مبادرات نوعية، تتكامل مع توجهات الدولة في بناء مجتمع المعرفة، مؤكدةً دورها في تمكين المبدعين، وتعزيز الحوار الثقافي.
حضور لافت
وسجّلت مكتبة محمد بن راشد بدبي حضوراً لافتاً للحراك الثقافي الإماراتي، حيث برزت بوصفها منصة ديناميكية، جمعت بين المعرفة والإبداع، عبر برنامج ثري تماهى مع «شهر القراءة» و«عام الأسرة». وشكلت فعالية «ليالي الخور الرمضانية»، إحدى أبرز محطات هذا الحراك، إذ تحوّلت المكتبة، بين 2 و7 مارس الماضي، إلى فضاء اجتماعي وثقافي متكامل، يحتفي بروح الشهر الفضيل، من خلال سوق رمضاني داعم للمشاريع المحلية، وأمسيات شعرية وموسيقية، وورش فكرية وجلسات حوارية، عززت قيم التلاحم الأسري والوعي المجتمعي، كما احتضنت الفعالية ورشاً نوعية، مثل «دراسة جدوى: مشروع حياة»، التي قدّمت مقاربة معرفية لعلاقات الأسرة واستدامتها. وفي سياق موازٍ، واصلت المكتبة دورها محرّكاً للمعرفة، عبر مبادرات مثل «نقرأ معاً» و«مجالس القرّاء»، إلى جانب عروض مسرحية وجلسات شبابية تفاعلية، استهدفت تعزيز عادة القراءة وربطها بالحياة اليومية. وعكست فعاليات المكتبة تداخلاً خلاقاً بين الثقافة والمجتمع.
برنامج متكامل
وبدت مدينة إكسبو دبي منصة نابضة بالتجارب الثقافية والمجتمعية، حيث تلاقت برمجة ثرية، مزجت بين الفنون والتقاليد والابتكار. وشكّلت الفعاليات محوراً رئيساً للحراك، مقدّمة برنامجاً متكاملاً للعائلات، جمع بين جلسات السرد القصصي، وورش العمل التفاعلية، واللقاءات المجتمعية، في أجواء تستلهم قيم التآلف والتأمل. وامتد هذا الزخم ليشمل عروضاً موسيقية حيّة، شاركت فيها أوركسترا الفردوس، إلى جانب أنشطة رياضية ومساحات مخصصة للأطفال، ما عزّز الطابع التفاعلي للفعالية، وعمّق ارتباط الجمهور بالمكان.
كما جاء «موسم الوصل» إطاراً جامعاً لهذه الفعاليات، حاملاً شعار «لكل مناسبة احتفال»، ومؤكداً دور المدينة وجهة تحتضن التجارب الثقافية على مدار العام. ومع انقضاء مارس، تواصلت الفعاليات في أبريل بإيقاع متصاعد، حيث استضافت المدينة حفلات موسيقية وعروضاً فنية، من بينها أمسيات للأوركسترا ذاتها، إلى جانب فعاليات إبداعية وورش معرفية. وبهذا المشهد، أكدت مدينة إكسبو دبي قدرتها على صياغة تجربة ثقافية متكاملة، تتجاوز حدود الفعالية إلى فضاء إنساني حي.
«رجال والله رجال»
وأطلقت الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات، خلال مارس الماضي، العمل الموسيقي «رجال والله رجال» من كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تكريماً لحُماة الوطن وشجاعتهم وتفانيهم في الدفاع عن المواطنين والمقيمين.وجمع العمل بين الموسيقى الأوركسترالية وأصوات الكورال، حيث قدّمت المقطوعة الموسيقية قصيدة صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، بشكل متجدد يُبرز أبعادها الموسيقية ويعكس شجاعة الحُماة وتفانيهم في خدمة الوطن والدفاع عنه.
جلسات وحوارات
وكثّفت مكتبات دبي العامة برنامجها الثقافي الحافل بالجلسات القرائية والحوارية، التي استقطبت جمهوراً متنوعاً من القرّاء والمهتمين، إذ قدمت عبر أجندتها الثرية سلسلة جلسات نقاشية وقرائية، بمشاركة نخبة من الكتّاب والأدباء، وذلك في إطار رؤية هيئة الثقافة والفنون في دبي، الرامية إلى تعزيز ثقافة القراءة، وتحويلها إلى ممارسة يومية مستدامة داخل المجتمع.
كما برزت، ضمن السياق، جلسة قرائية بعنوان «الإصدار الأول في ورشة كتابة»، نظّمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، بالتعاون مع هيئة دبي للثقافة والفنون، واحتضنتها مكتبة المنخول. وقدّمت الجلسة نموذجاً تطبيقياً يلامس تجربة الكاتب في بداياته، من لحظة التشكّل الأولى للفكرة، مروراً بتحديات المسودات، وصولاً إلى وعي أعمق بأدوات النقد الذاتي. وشارك في الجلسة كلٌّ من حفصة الظنحاني وأحمد لوتاه، حيث ناقش الحضور أثر الورش المتخصصة في صقل الموهبة، وتحويل الكتابة من هاجس فردي إلى مشروع إبداعي.
أندية قراءة
وشهد الحراك الثقافي في مكتبات دبي العامة محطة لافتة، تمثّلت في تنظيم النسخة السادسة من «اليوم التفاعلي للأندية القرائية»، الذي رسّخ حضوره منصة نوعية لتعزيز ثقافة القراءة الجماعية، وتوسيع دوائر النقاش الأدبي. فقد أعلنت هيئة الثقافة والفنون في دبي استضافة الفعالية في مكتبة الصفا للفنون والتصميم مطلع أبريل، في سياق جهودها المستمرة لدعم المشهد الثقافي المحلي، وترسيخ القراءة قيمة مجتمعية مستدامة.
وامتدت الفعالية على مدى أربعة أيام، مقدّمة برنامجاً حافلاً بالجلسات الحوارية والنقدية، التي ناقشت أعمال القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026، بمشاركة كتّاب ونقّاد ورؤساء أندية قرائية، ما أتاح فضاءً تفاعلياً لتبادل الرؤى، وتعميق أدوات التحليل الأدبي لدى الجمهور.
وعكس هذا الحدث تنامي دور الأندية القرائية في الإمارات، بوصفها روافد حيوية لبناء الوعي الثقافي، أسهمت في تنمية التفكير النقدي، وتعزيز الحوار المعرفي بين مختلف فئات المجتمع.
مهارات حياتية
وبرزت فعالية «مدارس الحياة» كإحدى المبادرات النوعية التي تحتضنها مكتبات دبي العامة، حيث قدّمت سلسلة جلسات معرفية وتفاعلية، تناولت مهارات الحياة وتطوير الذات، مستهدفة مختلف الفئات العمرية، في خطوة تعكس توجّه المكتبات نحو توسيع أدوارها التعليمية خارج الإطار التقليدي، وربط المعرفة بتجارب الحياة اليومية.
وكشفت هذه الأنشطة عن تحوّل نوعي في دور المكتبات من فضاءات تقليدية للقراءة، إلى منصات ديناميكية للحوار والإنتاج المعرفي، حيث تتقاطع فيها الأجيال والخبرات، وتصاغ عبرها ملامح مشهد ثقافي إماراتي أكثر انفتاحاً وتفاعلاً، مدفوعاً بإرادة مؤسسية تستثمر في المعرفة، بوصفها ركيزة للتنمية المستدامة.
أمسيات شعرية
ولم يغب الشعر بوصفه فن العرب الأول عن المشهد الثقافي، بل عكس حيوية ومسارات إبداعية متسعة، لتتواصل الأمسيات الشعرية في «بيت الشعر» بالشارقة، بوصفه أحد أبرز المنصات الداعمة للقصيدة العربية، جامعاً شعراء من الإمارات والعالم العربي في لقاءات احتفت بالكلمة، وفتحت فضاءات التلقي أمام جمهور واسع من النقاد ومحبي الأدب. وفي السياق ذاته، واصل «مجلس الحيرة الأدبي» في الشارقة، دوره الحيوي كفضاء شعري مفتوح، مستضيفاً أمسيات حملت طابعاً وجدانياً واجتماعياً. وعكس هذا الزخم استمرار الحراك الشعري الإماراتي في ترسيخ حضوره جزءاً أصيلاً من المشروع الثقافي الوطني، حيث تتقاطع القصيدة مع الهوية، ويظل الشعر مساحة مفتوحة للدهشة، وإعادة اكتشاف اللغة والحياة.
عروض مسرحية
وشهدت الدورة الخامسة والثلاثون من «أيام الشارقة المسرحية»، التي امتدت من 24 إلى 31 مارس 2026، حراكاً ثقافياً لافتاً، جسّد استمرار الشارقة في ترسيخ دورها الثقافي الفاعل، عبر برنامج فني ومعرفي متكامل، احتضن 14 عرضاً مسرحياً، إلى جانب ندوات فكرية وورش تخصصية ونقاشات نقدية ثرية، في فضاء قصر الثقافة وبيت الشعر. وانطلقت فعاليات الدورة، برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي شهد حفل الافتتاح.
وخلال أيام المهرجان تحوّلت الشارقة إلى ورشة إبداع مفتوحة، حيث تداخل العرض بالنقاش، وتجاورت الخشبة مع الفكرة، في مشهد يعكس تطور البنية المسرحية الإماراتية، وانتقالها من مجرد التلقي إلى صناعة السؤال المسرحي. كما برزت الجهود التنظيمية والفكرية لدائرة الثقافة في الشارقة في دعم التجارب الشابة، وصقل المواهب، وإتاحة فضاء نقدي حيّ، يعيد الاعتبار للمسرح كفعل ثقافي حيّ ومتجدد.
احتفاء بالتراث
وواصل مهرجان الشيخ زايد في الوثبة حضوره كمنصة جامعة للتنوع الثقافي، من خلال عروض تراثية وفنون شعبية وأنشطة مجتمعية، تعكس الهوية الإماراتية وروح التسامح. وأسهمت أجنحة الدول المشاركة في تعزيز التبادل الثقافي.
وعي وهوية
وتجلى الحراك الثقافي في الشارقة عبر فعاليات نوعية، أعادت صياغة علاقة المجتمع بالكتاب، فقد ناقشت جلسة «رحلة الهوية والطموح» في الجامعة القاسمية قضايا الانتماء لدى الشباب، بينما احتفت فعالية «العلم نور وحروفنا حياة» في مكتبة وادي الحلو بكبار السن، في مشهد يجسد تكامل الأجيال.
كما قدمت حديقة دبا الحصن تجربة مختلفة، عبر جلسة «صفحات وصديقات»، حيث امتزجت القراءة بالطبيعة، لتتحول إلى نشاط اجتماعي يجمع بين المتعة والمعرفة.
فعاليات متنوعة
وشهدت إمارة الفجيرة خلال شهري مارس وأبريل 2026، حراكاً ثقافياً متنامياً، عكس حضورها المتجدد على خريطة الفعل الثقافي الإماراتي، مدعوماً بتنوع الفعاليات، وعمق مضامينها.
قوة ناعمة
وتكشف هذه الفعاليات مجتمعة عن مشهد ثقافي إماراتي نابض بالحياة، استطاع أن يحافظ على استمراريته، رغم التحديات، وأن يعيد تعريف دوره بوصفه قوة ناعمة، تعزز الهوية، وتدعم التنمية، فقد تحولت الثقافة إلى ممارسة يومية، تتقاطع فيها الفنون مع الحياة، وتتكامل فيها الجهود المؤسسية مع المبادرات المجتمعية، في نموذج يعكس رؤية الإمارات لمستقبل قائم على المعرفة والإبداع والانفتاح.
فنون بصرية
شهدت الساحة التشكيلية نشاطاً لافتاً عبر معارض مؤسسية وخاصة، ففي مركز دبي المالي العالمي، عُرضت أعمال جمعت بين الحداثة والتجريد، وبرزت أسماء إماراتية إلى جانب فنانين عالميين. ومن أبرز الفعاليات معرض «الموجة العظيمة»، الذي قدم تجربة فنية تجاوزت العرض التقليدي إلى التأمل الفلسفي، مستلهماً رمزية الموجة كقوة متجددة. وقد نجح المعرض في استقطاب جمهور واسع، وأسهم في تعزيز مكانة دبي كمختبر مفتوح للتجريب الفني. ذاكرة حية وحافظت المتاحف الإماراتية على استمرارية برامجها، مؤكدة مرونتها، وبرزت كمنصات تعليمية نشطة، عبر معارض وجولات تفاعلية ومبادرات موجهة للشباب. ومن أبرز الأنشطة جولة معرفية في متحف زايد الوطني، قدمت سرداً قصصياً لتاريخ الإمارات، مسلطة الضوء على التراث البحري، وأنماط الحياة التقليدية، ما يعزز دور المتاحف كجسور تربط بين الماضي والحاضر.
