وتتناول «أغالب مجرى النهر» قصتين متوازيتين في الجزائر العاصمة: طبيبة عيون تُعيد البصر لمرضاها باستخدام قرنيات مسروقة من جثث الموتى، يُقبض عليها بتهمة قتل زوجها، بينما يُتهم والدها، وهو مقاتل سابق في صفوف المقاومة الجزائرية، بالخيانة الوطنية.
ومع تداخل القصتين، تتتبع الرواية تاريخ الجزائر من الحرب العالمية الثانية إلى العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، بما في ذلك حرب التحرير وتداعياتها.
فكرة الانطلاقة من تحقيق في موضوع جريمة... هي مدخل أو عتبة لفهم الجريمة الأكبر التي حصلت داخل المجتمع في العقود الماضية».
ويقدّم لنا فيها سعيد خطيبي مِزَقاً من لوحة غائمة معقّدة نحتاج إلى إعادة تركيبها وترتيب شذراتها للخلوص إلى معنى يختزل اللحظة التاريخية المتفلّتة. هناك حساسية مرهفة يتجاور فيها الكاتب الذاتي والجمعي، ويضمن روايته لغة تنوس بين اليومي والأدبي وشخصيات تلتقي فيها القسوة والهشاشة.
إنها رواية تُلتَهَمُ بشهية، ولكنّها تترك انطباعاً مريراً عن عالم نعرفه، غير أننا نكتشف أنه مثقل بنوازع مبهمة، وأوجاع صامتة، وأشواق مُهدرة.
يفعل الكاتب ذلك من خلال سرديتين متقاطعتين وعابرتين للأجيال، سردية الابنة وسردية الأب. وتكشف الحركة الزمنية المعقدة للرواية، ذهاباً وإياباً، عن التوترات والصراعات التي عاشها الجزائريون في تلك الفترة، وكأنها تعلن أن الأمور كلما تغيّرت بقيت على حالها.
تتكرر أنماط السلوك بين الجيلين، وتحاك تنويعات على علل المجتمع ذاتها من دون هوادة، وتشرئب الأعناق بانتظار خلاص «غودو» الذي يعبث بآمال منتظريه، فيحتجب صريعاً.
وتنجح الرواية في جذب القارئ إلى هذه السرديات المتقاطعة من خلال حبكة محكمة وبناء سردي بارع يُبقي القارئ في حالة بحث مستمر عن الإجابات حتى النهاية.
وهو مؤلف روايات حائزة جوائز، وبلغت قوائم قصيرة في جوائز أخرى، منها «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» (2016)، الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2017، و«حطب سراييفو» (2018)، التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2020، و«نهاية الصحراء» (2022)، الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2023.
