لم تتطور مطاردات السيارات في هوليوود بشكل عشوائي، وإنما كانت هناك مراحل واضحة عبر العقود الماضية. كل مرحلة قدمت أسلوباً جديداً تأثر به الجيل اللاحق من صناع الأفلام. لو صنفنا أنواع المطاردات معاً من ناحية النوع والابتكار فسنلاحظ كيف تطورت اللغة السينمائية تدريجياً لتصبح غاية في التعقيد والإبهار. بدأت مطاردات السيارات في هوليوود بشكل بدائي جداً في فترة السينما الصامتة حتى عقد الخمسينات.

وقد اتسمت هذه الفترة بأن المطاردات كانت غالباً في إطار كوميدي، كما كانت بسيطة جداً، كل ما نشاهده هو سيارة تلحق أخرى. تميزت «قواعد النحو» للمطاردة أو فلنطلق عليها لفظ المعادلة بالتالي: بطل ضد شرير. إثارة من عامل السرعة.

توظيف معالم الشوارع الحضرية كعقبات لكنها لم تكن واقعية ولا استعراضية. عام 1958 حدث شيء غيّر كل قواعد اللعبة ولم يلتفت إليه الكثيرون آنذاك.

فقد طرح في الصالات فيلم The Linuep الذي أخرجه دون سيغل الشاب وقتها (اشتهر سيغل بعد إخراج ديرتي هاري لكلينت إيستوود). كان The Linuep فيلماً عادياً عن عملية تهريب لكن في آخر مشهد كانت هناك مطاردة سيارات مخيفة ومثيرة وسابقة لزمنها. كانت اللحظة السينمائية التي مهدت لتحفة المطاردات التي شاهدها العالم بعد عقد كامل.

صوّر سيغل المطاردة في شارع إمباركاديرو في سان فرانسيسكو الذي لم يكن مكتملاً آنذاك وكان مفتوحاً بلا نهاية، فوضع سيغل الممثلين داخل السيارة وصور المشهد بسرعة السيارة الحقيقية دون استخدام أدوات تسريع الفيلم أو شاشة وراء الممثلين لعرض خلفية غير حقيقية مثل معظم لقطات مطاردات السيارات في الخمسينات. عام 1968، وبفضل سيغل، جاء الفيلم الذي يعتبره الكثيرون الأب الروحي لمطاردات السيارات.

فيلم Bullit من إخراج بيتر ييتس وبطولة ستيف مكوين. مطاردة الموستانغ والدودج تشارجر كانت اللحظة التي تحولت فيها المطاردة إلى فن سينمائي.

بل كانت اللحظة التي أشعلت ثورة في تخطيط المطاردات في هوليوود. كان السر في نجاح المطاردة هو السائق بيل هيكمان الذي كان يقود الدودج، وهو نفسه سائق المجازفة في The Linuep وهو نفسه الذي قاد سيارة جين هاكمان في فيلم ذا فرينش كونيكشن عام 1971 في مشهد المطاردة الأخير. هذه المطاردات الثلاث تميزت بالواقعية والتصوير في الشوارع الحقيقية وليس في استوديو، واعتمدت على صوت فرملة الإطارات وصوت زئير محركات السيارات وعامل السرعة الحقيقي للسيارة والمونتاج السريع واستبعدت عامل الموسيقى بشكل كامل. ومن هنا جاءت تسمية المطاردات الميكانيكية. مطاردة ذا فرينش كونيكشن التي قدمها المنتج فيليب دانتوني أضافت بعداً جديداً: تحررت الكاميرا من الموضع الثابت (عادة فوق السيارات) وأصبحت تهتز بشدة في يد المصور ما ولد إيحاء بفوضوية المشهد، وهذا قاد إلى نتيجة أخرى وهي ولادة تصوير الفيلم الوثائقي الحديث بهذا الأسلوب تحديداً.

إضافة إلى إصرار دانتوني على إبقاء مشاهد الحوادث المرورية الناتجة عن مطاردته في الفيلم كنوع من الواقعية.بدخول عقد التسعينات، امتزجت الواقعية بالتطور التقني وبدأ صناع الأفلام يصممون المطاردات مثل العمليات العسكرية. فقد وظف جون فرانكنهايمر سائقي سباقات سيارات محترفين لفيلم Ronin، كما وضع الكاميرا أسفل السيارة، وأجبر الممثلين على دخول مدارس سياقة.في فجر الألفية أخذ صناع الأفلام منحى تجريبياً أكثر، ركز على المبالغة الشديدة وإدخال المؤثرات الخاصة وتسيدت مطاردات أفلام The Fast and Furious هذه الصرعة.

اتسمت هذه المطاردات بمواكبة الموسيقى لحركات السيارات، وتحولت المجازفة إلى المشهد نفسه. في عقد الألفية الثاني صارت المطاردات مبنية على أساس سخيف وغير منطقي، إذ هيمنت المؤثرات الخاصة بشكل كامل وأصبحت الفيزياء مجرد خيار، والجاذبية الأرضية لا تؤخذ في الحسبان. نقطة مهمة في هذا السياق، إلى جانب موجة أفلام Fast and Furious، برزت موجة موازية هي أفلام «مهمة مستحيلة»، فبينما ركزت الأولى على تحدي الجاذبية الأرضية وانعدام المنطق، وظفت الثانية عامل المجازفة العملية أي القابلة للتطبيق والاستعراض في مواقع اعتمدت على تضاريس بيئية قاسية.

ثنائي كريستوفر مكواري وتوم كروز في «مهمة مستحيلة» تعمدا استخدام أضيق الأماكن وأصعبها وما لا يقبل إدخال سيارة فيه كمواقع تصوير. وهو ما أضفى عاملاً استعراضياً على الواقعية. وبهذا مدت «مهمة مستحيلة» جسراً مباشراً بين أسلوب Bullit الميكانيكي في الستينيات ومطاردات اليوم.