في مسيرة امتدت لسنوات من العمل في إحياء المباني التاريخية في دبي، يبرز اسم د. رشاد محمد بوخش بوصفه أحد أبرز الأسماء التي كرست جهودها لصون التراث العمراني وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي، وجاء حصوله على وسام الإمارات للثقافة والإبداع تتويجاً لهذه المسيرة، وتقديراً لدوره في إعادة الاعتبار لمواقع شكّلت جزءاً من تاريخ المكان.

وفي هذا السياق، التقت «البيان» د. رشاد بوخش، رئيس جمعية التراث العمراني، للحديث عن محطات عمله في ترميم المشاريع التراثية، وما يحمله هذا التكريم من دلالات. وأكد أن الأحياء القديمة في دبي مختبر لفهم الاستدامة الحقيقية وأساس يلهمنا صنع المستقبل.

وأضاف: «إن الحصول على وسام الإمارات للثقافة والإبداع شرف كبير أعتز به على المستويين الشخصي والمهني، فهو تقدير لمسيرة طويلة من العمل في مجال العمارة والتراث العمراني، ورسالة ثقة من قيادتنا الرشيدة بأن هذا المجال ليس مجرد تخصص فني، بل جزء أصيل من الهوية الوطنية، كما أنه يحملني مسؤولية أكبر لمواصلة العطاء ونقل المعرفة إلى الأجيال القادمة».

وأوضح أن هذا الوسام يبعث برسالة واضحة لكل العاملين في هذا المجال بأن جهودهم مقدرة ومهمة في بناء المستقبل، وأن الحفاظ على التراث العمراني لا يقتصر على ترميم مبانٍ قديمة، بل هو حفظ للذاكرة الجماعية وتعزيز للهوية وربط بين الماضي والحاضر، وهو عمل يحمل قيمة وطنية وثقافية تستحق الدعم والتقدير.

وأشار إلى أن أول مشروع أشرف عليه كان ترميم حصن الفهيدي الذي شُيد عام 1799، حيث بدأ العمل فيه عام 1991 وانتهى عام 1993، وكان هذا المشروع مدرسة حقيقية لفهم العمارة التقليدية وأساليب الترميم من خلال التعامل مع المواد المحلية مثل الحجر المرجاني والجص وسعف النخيل.

وعبر عن اعتزازه بالعمل في 215 موقعاً تراثياً، من أبرزها حي الشندغة التاريخي وحي الفهيدي التاريخي، إلى جانب مشاريع ترميم بيوت تقليدية في منطقة الرأس بديرة وقرية حتا التراثية، مضيفاً: «إن هذه المواقع ليست مجرد مبانٍ، بل تحمل قصص المجتمع وحياة الناس في الماضي، وكان الهدف دائماً إعادة إحيائها بطريقة تحافظ على أصالتها وتمنحها وظيفة معاصرة».

وأكد أن هذه الأحياء شهدت تحولاً كبيراً، إذ انتقلت من مناطق مهجورة أو مهددة بالاندثار إلى مراكز ثقافية وسياحية نابضة بالحياة، وأصبحت منصات للفعاليات الثقافية والمتاحف والحرف التقليدية والأسواق الشعبية، ما يعزز مكانة دبي مدينة تجمع بين الحداثة والأصالة ويسهم في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخهم بطريقة حية وتفاعلية.

وقال إن مشروع تطوير حي الشندغة كان نقطة تحول مهمة وخاصة مع تبني مفهوم المتاحف المفتوحة وإعادة توظيف المباني التاريخية ضمن منظومة ثقافية متكاملة، وهو مشروع تطور على مراحل خلال العقدين الماضيين ومنحه رؤية أوسع لإدارة المواقع التراثية على مستوى استراتيجي.

وأوضح أن ترميم العديد من المباني التاريخية استغرق وقتاً طويلاً، وخصوصاً تلك التي كانت في حالة إنشائية متدهورة حيث تمثلت التحديات في الحفاظ على المواد الأصلية وإيجاد توازن بين التدعيم الإنشائي والحفاظ على الطابع التاريخي، إلى جانب توثيق التفاصيل المعمارية بدقة وأحياناً إعادة تصنيع عناصر تقليدية بطرق يدوية للحفاظ على أصالة المبنى.

وأوضح أن الحفاظ على روح المكان التاريخي مع متطلبات التطوير الحديث يتحقق من خلال فهم عميق لقيمة المكان، مضيفاً: لا نعيد بناء الماضي كما هو، بل نقدمه بلغة معاصرة تحترم أصالته، باستخدام تقنيات حديثة تخدم المبنى دون أن تطغى عليه، مع الحفاظ على المواد والنسب والفراغات الأساسية وإدخال وظائف جديدة تناسب احتياجات اليوم.

ولفت بوخش إلى أن الأحياء القديمة في دبي تمثل روح المدينة، فهي المكان الذي تشكلت فيه العلاقات الاجتماعية وتجسدت فيه القيم الثقافية، ويرى فيها مختبراً مفتوحاً لفهم الاستدامة الحقيقية، حيث اعتمدت العمارة التقليدية على حلول ذكية تتكيف مع المناخ والبيئة.

وعن المبادرات المستقبلية، قال إنه يتطلع إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التراث، وتوسيع نطاق التعليم والتدريب في هذا المجال، وخاصة للشباب، إلى جانب إطلاق مبادرات لتوثيق التراث العمراني رقمياً وربطه بالتقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، لضمان استدامة هذا الإرث وجعله جزءاً فاعلاً في حياة المجتمع ومستقبله.

وذكر موقفاً مؤثراً خلال أعمال إعادة التأهيل في حي الفهيدي، حين عاد أحد كبار السن لزيارة منزله بعد ترميمه، فتوقف طويلاً أمام الباب ثم دخل بخطوات مترددة وكأن الزمن أعاده إلى سنوات طفولته، وبدأ يستعيد تفاصيل حياته اليومية في «الفريج». وقال إن تلك اللحظة أكدت له أن ما يقومون به يتجاوز الترميم المادي ليصل إلى إحياء الذاكرة الإنسانية وإعادة ربط الناس بجذورهم، فالمكان وعاء للقصص والمشاعر وليس مجرد مبنى.

ووجه رسالة للأجيال الجديدة قائلاً: إن هذه الأحياء ليست ماضياً انتهى، بل أساس نبني عليه المستقبل، وإن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل فهمه وإعادة تقديمه بروح معاصرة، داعياً الشباب إلى زيارته والتفاعل معه والمساهمة في حمايته وتطويره لأنه يمثل هويتنا الجماعية وجسرنا نحو المستقبل.