لم تكن بيوت الفنانين يوماً مجرد أماكن للسكن، بل فضاءات نابضة بالإبداع، شهدت ميلاد ألحان خالدة، ولوحات فنية، وحكايات إنسانية عميقة.
ومع رحيل أصحابها، لم تغب هذه البيوت عن الذاكرة، بل تحولت إلى متاحف تحفظ تراثهم وتفتح أبوابها للجمهور، لتمنح الزائر فرصة فريدة للتعرف إلى تفاصيل حياتهم عن قرب.
ويُعد متحف أم كلثوم، الكائن في القاهرة، واحداً من أبرز النماذج المنزلية التي تحولت إلى متحف، فقد جُمعت فيه مقتنيات «كوكب الشرق» من فساتينها الشهيرة، ونظارتها السوداء التي أصبحت جزءاً من هويتها، إلى جانب خطابات وصور نادرة وتسجيلات لحفلاتها. ولا يقتصر دور المتحف على عرض المقتنيات، بل يقدم تجربة سمعية وبصرية تعيد إحياء صوتها الذي ما زال حاضراً في وجدان الجمهور، إضافة إلى الكثير من ملابسها والأحذية الخاصة بها. ومع احتواء المتحف على قاعة سينما، ستجد عرضاً فيلمياً مستمراً، يتضمن مقتطفات من سيرتها الذاتية، إلى جانب مشاهد مختارة من أفلامها الستة، ولقطات من حفلاتها في مصر ومختلف أنحاء الوطن العربي. ويختتم الفيلم بمشاهد مؤثرة من جنازتها، وتبلغ مدته 26 دقيقة، وقد تُرجم إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
كما توجد بالمتحف قاعة تضم مجموعة من الصور النادرة للفنانة أم كلثوم، توثق مختلف المراحل العمرية في حياتها، إلى جانب صور من أفلامها، وأخرى تجمعها بعدد من الفنانين والمطربين، فضلاً عن صور مع رؤساء الدول العربية.
وبالانتقال إلى متحف الموسيقار محمد عبدالوهاب، ستشم رائحة الفن الجميل، فمن صور لمحمد عبدالوهاب ومن قام بالتلحين لهم من أول عبدالحليم حافظ وأم كلثوم وغيرهما من فناني هذا الجيل، ستجد كذلك العود الخاص به.
يضم المتحف آلات محمد عبدالوهاب الموسيقية، ونوتاً بخط يده، وملابسه الرسمية، فضلاً عن تسجيلات نادرة توثق مراحل تطوره الفني، ليقدم صورة متكاملة لمسيرة فنان سبق عصره وأسهم في تشكيل ملامح الموسيقى الحديثة.
إبداع في التشكيل
كما تحول منزل الفنان محمود سعيد بمدينة الإسكندرية شمال مصر إلى واحد من أهم متاحف الفن التشكيلي. تبلغ المساحة الإجمالية للمتحف نحو 732 متراً مربعاً، في حين تمتد المساحات المفتوحة إلى 2176 متراً مربعاً. ويضم المتحف مجموعة من أبرز أعمال الفنان، إلى جانب مقتنيات شخصية وتذكارات تشمل الأوسمة والنياشين التي حصدها خلال مسيرته الحافلة بالإبداع.
وتؤكد الدكتورة ماجدة سعد الدين، أستاذة الفن التشكيلي بأكاديمية الفنون بمصر لـ«البيان» أن متحف محمود سعيد يمثل نموذجاً فريداً للحفاظ على التراث الفني، مشيرة إلى أن المتحف لا يقتصر على عرض اللوحات فحسب، بل يعكس شخصية الفنان وأسلوبه الإبداعي من خلال مقتنياته وأدواته وبيئته الخاصة.
وتضيف أن تصميم المتحف وتنظيمه يتيحان للزائر تجربة تفاعلية، حيث يمكنه فهم تطور مسيرة الفنان ومراحل إبداعه المختلفة، ما يجعله مساحة حية للتعلم والإلهام، وليس مجرد مكان للعرض التقليدي.
وعن المنازل التي تحولت لمتاحف فنية، تقول الناقدة الفنية ماجدة خير الله لـ«البيان»: إن أهمية هذه المتاحف تكمن في الحفاظ على التراث الفني الذي من الممكن أن يمحوه الزمن. وتضيف أن هذه المتاحف جاذبة للسياحة، إضافة إلى أنها لوحة فنية أمام الأجيال لحفظ التراث الفني لهذا البلد.
