في الأدب لا تحضر المناسبات بوصفها تواريخ عابرة في التقويم، بل تتحول إلى مشاهد إنسانية تكشف طبائع المجتمعات وتفاصيل حياتهم اليومية، فهو يلتفت لها ويوثق الدقائق التي تصنع الإحساس والمليئة بالمشاعر، ومن بين هذه اللحظات يبرز العيد وأجواؤه وطقوسه، بوصفه مساحة إنسانية خاصة يتكثف فيها شعور الفرح واللقاء والتجدد، لذلك يظل حاضراً في النصوص الأدبية الإماراتية.

وأكدت الكاتبة الإماراتية الدكتورة عائشة الجناحي، أن تفاصيل العيد تشكل مادة ثرية للسرد الأدبي بشكل عام والإماراتي بشكل خاص لأنها تحمل في طياتها مزيجاً من المشاعر الإنسانية والطقوس الاجتماعية والذكريات المشتركة، فالعيد ليس مجرد مناسبة وطنية عابرة بل مساحة تتجلى فيها مظاهر الفرح واللقاء العائلي والتواصل الإنساني، وهو ما يمنح النص الأدبي بعداً إنسانياً قريباً من القارئ.

وأضافت أن التفاصيل الصغيرة المرتبطة بالعيد مثل الاستعدادات والزيارات وأصوات الأطفال والعادات المتوارثة، تتحول في الأدب إلى رموز دالة على الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية، ولذلك يميل بعض الكتّاب إلى استحضار هذه اللحظات الاستثنائية في نصوصهم، لأنها تحمل مشاعر الحنين وتوثّق جانباً من الحياة الاجتماعية، فتغدو جزءاً من الذاكرة الثقافية التي ينقلها الأدب من جيل إلى آخر.

وأوضحت أن الأدباء ما زالوا يلتقطون طقوس العيد في نصوصهم لكن طريقة تناولها تغيرت مع تغير إيقاع الحياة، ففي الماضي كانت الكتابات تركز على التفاصيل التقليدية المرتبطة بالبيوت والزيارات والعادات المتوارثة، أما اليوم فأصبحت هذه الطقوس تُروى في سياق اجتماعي مختلف تأثر بالتغيرات الحديثة والتواصل الرقمي وتسارع الحياة، ومع ذلك تبقى روح العيد حاضرة في الأدب لأنها تحمل مشاعر الفرح والحنين واللقاء العائلي وهي مشاعر إنسانية لا تتغير مهما تغيرت الأزمنة والظروف، ولذلك يظل الأدب حريصاً على توثيقها بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية للمجتمع.

وأشارت إلى أن الكتابة عن العيد تمثل نافذة لرصد الروابط الاجتماعية والقيم التي تجمع الناس؛ فمن خلال تصوير الطقوس المشتركة مثل اللقاءات العائلية والزيارات والعادات الاحتفالية، وحتى تبادل العيدية والهدايا، يستطيع الأدب أن يظهر التلاحم الاجتماعي والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع.

وأكدت الجناحي في الوقت نفسه أن موضوعات الذاكرة الاجتماعية مثل العيد ما تزال حاضرة في الأعمال الجديدة، إذ تحرص دور النشر والكتّاب على تناول هذه الموضوعات لما تحمله من قيمة ثقافية وإنسانية، فالكتابات التي تتناول طقوس العيد أو مناسبات مشابهة تعكس ليس فقط الفرح والاحتفال، بل أيضاً الروابط الأسرية العميقة والتقاليد والهوية الثقافية التي تشكّل جزءاً من الذاكرة الجماعية.

ذاكرة مكانية

وقالت الناقدة الإماراتية الدكتورة مريم الهاشمي، إن العلاقة بين الأدب والمجتمع علاقة جذرية متماسكة، وأكدت أن دور الخطاب السردي في الأعمال الروائية كالراصد المستمر لتحولات المجتمع.

وتابعت: كثير من الروايات الإماراتية لنادية النجار وريم الكمالي والعربية مثل «بين القصرين» لنجيب محفوظ، و«سماء قريبة من بيتنا» لشهلا العجيلي، والخليجية مثل «فئران أمي حصة» لسعود السنعوسي، وغيرها من الروايات تتولى رصد الواقع وتعزز دور الأدب في رصد تفاصيل الحياة والتحولات المجتمعية عن طريق تناول القضايا والعادات خلال المناسبات كالزواج وقدوم رمضان وأجواء العيد، وليس بالضرورة أن يأتي ذكر العيد وذاكرته في استدعاء للبهجة والفرح وإنما يٌستعاد أحيانا لبيان مشاعر الحنين.

وأكدت أن الرواية توثق التراث الشعبي وعادات الإنسان وأجواء العيد وغيرها من الأمور وترويها في لوحة متناسقة صادقة معبرة عن الحاضر وتستشرف المستقبل، في عمل فني لا ينقل الواقع بحرفيته وإنما ينقل صورة الأديب له.

من جهته يرى الكاتب والباحث الإماراتي فهد المعمري، أن العيد يأتي في حياة المجتمعات بوصفه لحظة إنسانية استثنائية تتجاوز حدود المناسبة الدينية إلى فضاء اجتماعي وثقافي واسع، مضيفاً: «في أيام العيد تتجدد العلاقات، وتُستعاد الروابط العائلية، وتنبعث في الذاكرة مشاهد الطفولة والبيت القديم والأصوات التي كانت تصنع بهجة تلك الأيام.

ولهذا لم يكن العيد في الأدب مجرد مناسبة عابرة، بل تحول إلى طقس اجتماعي وثقافي غني بالرموز والدلالات، استطاع الأدباء من خلاله أن يوثقوا صورة المجتمع ويخلّدوا تفاصيل الحياة اليومية في لحظات الفرح الجماعي».

وأشار إلى أن الأدب أدرك مبكراً أن طقوس العيد تحمل في داخلها حكاية مجتمع كامل، فالمشهد الذي يبدأ بصلاة العيد ويتواصل بالزيارات العائلية وتبادل التهاني ثم يجتمع حول موائد الطعام والألعاب الشعبية وأصوات الأطفال كل ذلك يشكل مادة سردية وشعرية ثرية، وحين يصف الكاتب هذه التفاصيل الصغيرة فإنه لا يقدم مجرد وصف احتفالي، بل ينقل للقارئ صورة ثقافية عن نمط الحياة وقيم المجتمع وطرائق التعبير عن الفرح.

وأوضح أن قدرة الأدب تتجلى على نقل طقوس العيد إلى القارئ من ثقافات أخرى في اعتماده على الصورة الحسية واللغة الوصفية التي تستحضر المكان والزمان والمشاعر، فحين يقرأ القارئ نصاً أدبياً يصف صباح العيد في مدينة عربية أو قرية صغيرة ويصغي إلى أصوات التهاني ويرى الأطفال بملابسهم الجديدة ويشم رائحة الأطعمة التقليدية فإنه يعيش التجربة وكأنه جزء منها، وهكذا يتحول الأدب إلى جسر ثقافي يعبر من خلاله القارئ إلى عوالم إنسانية مختلفة يتعرف فيها على طقوس العيد في ثقافات أخرى ويكتشف في الوقت نفسه القواسم المشتركة بين البشر في الفرح والاحتفال.

وأضاف: «مع التغيرات الكبيرة التي شهدتها أنماط الحياة في العقود الأخيرة، بدأت بعض طقوس العيد تتبدل أو تتراجع، إلا أن الأدب يظل قادراً على حفظ روح العيد في الذاكرة الثقافية، فالنص الأدبي يعمل بوصفه أرشيفاً وجدانياً يوثق تفاصيل الحياة الاجتماعية التي قد تختفي مع مرور الزمن، وعندما يقرأ القارئ بعد سنوات وصفاً أدبياً لطقوس العيد في زمن سابق، فإنه لا يطالع مجرد صورة تاريخية، بل يستعيد شعوراً إنسانياً حياً كان جزءاً من حياة الناس».