في الإمارات، تتقاطع حكايات القادمين من جغرافيات مختلفة، حملوا معهم شغفهم بالفن والأدب والمعرفة، فوجدوا في هذا الفضاء الثقافي الرحب ما يغذي أحلامهم ويمنحها التحليق في سماوات لا تعرف النهايات.
من البحث النقدي في اللغة العربية إلى التشكيل والشعر والموسيقى، تتشكل ملامح مشهد إبداعي نابض صنعه مبدعون اختاروا الإمارات موطناً للإنجاز والتجدد. وفي هذا التقرير، تقترب «البيان» من تجارب أربعة أسماء عربية أكدت أن البيئة الثقافية في الإمارات منحت تجاربهم الإبداعية أفقاً أوسع للحضور، ما عزز لديهم القدرة على الانطلاق بمواهبهم إلى مجالات من الإبداع والتأثير، حيث تتجاور الكلمة واللون والنغم في حكايات شخصية تحمل الكثير من الشغف والعمل والبحث الدائم عن مساحة رحبة للفن والمعرفة.
إنجاز نقدي
الشاعر والناقد المصري الدكتور حمزة قناوي أحد تلك الوجوه التي لا تزال تواصل حضورها الإبداعي الفاعل؛ إذ قطع أشواطاً مهمة في ميدان البحث العلمي المتعلق باللغة العربية، عبر مسيرة أكاديمية كرّس فيها جهده لتطوير الدراسات النقدية وتجديد مقارباتها، متوّجاً تلك الجهود بفوزه بجائزة أفضل بحث نقدي أكاديمي محكَّم ضمن أعمال المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية، الذي تنظمه مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة في دبي، بعد منافسة علمية واسعة شارك فيها أكثر من 700 بحث أكاديمي.
وأكد قناوي، في حديثه لـ«البيان»، أن إقامته في دولة الإمارات أسهمت بوضوح في تعزيز نشاطه البحثي، في ظل البيئة الثقافية الداعمة التي توفرها المؤسسات العلمية والمراكز المتخصصة في اللغة العربية، مشيراً إلى أن الحراك العلمي في الإمارات يتجلى في تعدد المبادرات البحثية والمنح الأكاديمية والمؤتمرات المتخصصة، فضلاً عن الدور المؤثر للمؤسسات المعنية بتطوير اللغة العربية، ومن بينها مجلس أبوظبي للغة العربية الذي اختير عضواً في لجانه العلمية والتحكيمية.
وأوضح أن بحثه الفائز جاء بعنوان «إعادة قراءة النظرية النقدية الأدبية ومفاهيم النقد المعاصر في ظل تسييس الثقافة وتهديدات الأمن اللغوي العربي»، لافتاً إلى أنه سعى من خلاله لتحليل أثر المناهج النقدية الغربية في الفكر العربي ومصطلحاته، وطرح تساؤلات عن كيفية حماية الأمن اللغوي العربي وتعزيز استقلالية الخطاب النقدي.
ذاكرة اللون
واستعرضت الفنانة التشكيلية اللبنانية ماجدة نصر الدين ملامح تجربتها الفنية التي امتزجت فيها الذاكرة الشخصية بجماليات الطبيعة، إلى جانب تأثير البيئة الثقافية لدولة الإمارات في صقل مسيرتها، موضحة أن علاقتها بالفن بدأت منذ الطفولة، حين اعتادت اكتشاف الجمال في الأشياء المهملة التي قد لا يلتفت إليها الآخرون.
وأضافت أن غياب الألوان التقليدية في بداياتها لم يشكّل عائقاً، بل دفعها إلى ابتكار ألوانها الخاصة من مواد بسيطة مثل الكركم والقهوة وقشر البصل والشمندر، مشيرة إلى أن علاقتها بالعالم الخارجي تشكلت عبر الصور التي كانت تطالعها في المجلات والكتب القديمة، ومؤكدة أن الطبيعة كانت معلمها الأول، حيث تعلمت منها تدرجات الألوان وملمس الصخور وتأثير المطر في أوراق الشجر، وهي عناصر رأت فيها «لوحات صامتة» تختزن الذاكرة.
وعن تجربتها في الإمارات، أوضحت أنها جاءت إليها «عروساً بالأبيض» محمّلة بالأحلام، وشقّت طريقها بشغف وثبات، لافتة إلى أن انتسابها إلى جمعية الإمارات للفنون التشكيلية عام 1995 شكّل محطة مهمة في مسيرتها الإبداعية، مؤكدة أن الإمارات لم تكن محطة عابرة، بل فضاءً ثقافياً احتضن تجربتها ومنحها فرص العرض والتفاعل.
وفيما يخص تطور لغتها البصرية، بيّنت أنها لم تتقيد بمدرسة فنية واحدة؛ إذ بدأت بالتعبيرية ثم اتجهت إلى التجريد، وخاضت تجارب بخامات غير تقليدية مثل أكياس الشاي والورق المعاد تدويره والخيوط التي استخدمتها رمزياً لـ«خياطة الجراح»، مختتمة حديثها بالتأكيد أن التحول الحقيقي في مسيرة الفنان يبدأ بالثقة بالقدرة على الابتكار، مع الاستمرار في التعلم وتطوير التجربة.
حلم جميل
وكشفت الشاعرة السورية ربا أبو طوق عن ملامح رحلتها الأدبية التي بدأت في دمشق، موضحة أن شغفها بالشعر تشكل منذ الطفولة حين كانت تحاول التعبير عن الحياة بكلمات تسبقها المشاعر، مشيرة إلى أن باكورة أعمالها جاءت بعنوان «لا تحزني»، أعقبها ديوان «آخر قطرة حب»، وصولاً إلى «مجاز الغياب»، في مسار إبداعي تطور تدريجياً عبر التجربة والوعي الشعري.
وتحدثت أبو طوق عن تجربتها في دولة الإمارات، معتبرة أن الإقامة فيها تمثل «جائزة في حياة الإنسان»، إذ منحتها عشر سنوات آمنة ومثمرة، وصفت ثلاثاً منها بأنها «مرت كحلم جميل»، وأثمرت هذه المرحلة عن إصدار ديوانها الرابع «برج الماس»، إضافة إلى كتاب خامس قيد الطباعة.
وعلى الصعيد المؤسسي، أعربت عن اعتزازها بعضويتها في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات واتحاد الكتاب العرب، إلى جانب حصولها على شهادة من هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي دعمت مسيرتها المهنية في مجالي المونتاج والإخراج البصري، ما أتاح لها تقديم قصائدها بصوتها عبر منصات التواصل الاجتماعي ضمن قوالب فنية مبتكرة. وأشادت بالبيئة الثقافية في الإمارات التي تجمع شعوب العالم تحت مظلة السلام والتطور، مؤكدة أن مسارها الشعري يقوم على تراكم التجارب والوعي.
واستعرضت الفنانة الموسيقية السورية نغم الدعبل ملامح تشكل موهبتها الفنية، مشيرة إلى أنها نشأت في عائلة محبة للموسيقى، ما جعل الفن جزءاً طبيعياً من حياتها منذ الطفولة. وأوضحت أنها خاضت تجارب مع آلات موسيقية متعددة قبل أن تستقر على آلة القانون التي وصفتها بـ«الساحرة» رغم ما تتطلبه من مهارة وتعقيد. وبيّنت الدعبل أنها درست الهندسة المعمارية أكاديمياً، غير أن شغفها بالموسيقى دفعها لاحقاً إلى تكريس مسارها الفني بالكامل، والعمل على تطوير أدواتها من خلال التدريب والدراسة المستمرة.
وأكدت أن إقامتها في الإمارات شكلت محطة مهمة في مسيرتها، إذ أتاحت لها البيئة الثقافية المتنوعة فرصاً واسعة للظهور الفني، لافتة إلى أن العيش والعمل في دبي فتحا أمامها آفاق جديدة من خلال المشاركة في مهرجانات وفعاليات فنية. وكشفت أن أعمالها تنطلق غالباً من إحساس داخلي عميق أو من لحظات إنسانية مرتبطة بالمكان والموسيقى. وأشارت إلى أن المزج بين الأصالة والحداثة يمثل أحد أبرز مصادر إلهامها.