مع اقتراب أذان المغرب في شهر رمضان تتحول شوارع كثيرة في مصر إلى ساحات كبيرة لاستقبال الصائمين، حيث تنتشر موائد الرحمن في الأحياء الشعبية والميادين والمساجد الكبرى. تمتد الطاولات الطويلة المزينة بالمفارش البسيطة، ويقف المتطوعون يجهزون الأطباق وأكواب المياه والتمر قبل دقائق من الإفطار.
في هذه اللحظات لا فرق بين غني وفقير أو عابر طريق ومقيم؛ الجميع يجلسون إلى المائدة نفسها في مشهد يعكس روح التكافل التي تميز الشهر الكريم. بالنسبة لكثير من المصريين أصبحت موائد الرحمن جزءاً أساسياً من طقوس رمضان، تعبيراً عن قيم العطاء والتضامن الاجتماعي الذي يزداد حضوره خلال هذا الشهر.
قبل دقائق من أذان المغرب، يبدأ الصائمون في التوافد إلى موائد الرحمن التي تُنصب في الشوارع أو داخل ساحات المساجد. يجلس العمال والعابرون والمسافرون، إلى جانب المحتاجين، في صفوف متجاورة ينتظرون لحظة الإفطار.
ومع انطلاق أذان المغرب يبدأ الجميع بتناول التمر والمياه أولاً، قبل أن تُقدَّم الأطباق الساخنة التي غالباً ما تشمل الأرز والخضراوات واللحوم أو الدجاج. وفي كثير من الأماكن يحرص المنظمون على تقديم وجبات متكاملة تشبه إلى حد كبير الطعام الذي يُقدَّم في البيوت المصرية.
الزائر لمصر يلحظ منذ الوهلة الأولى أن موائد الرحمن لا تقتصر على الفقراء فقط، بل يقصدها أيضاً من تأخروا في الطريق أو لم يتمكنوا من الوصول إلى بيوتهم في الوقت المناسب. لذلك تتحول هذه الموائد إلى مساحة إنسانية مفتوحة للجميع، حيث يتشارك الناس الطعام والحديث والابتسامات.
كما يشارك كثير من الشباب في تنظيم هذه الموائد، سواء بتوزيع الطعام أو ترتيب المقاعد أو تقديم المياه والعصائر للصائمين.
روح تطوع
وراء كل مائدة رحمن قصة من العمل الجماعي والتطوع، في بعض الأحيان يتكفل بها رجال أعمال أو جمعيات خيرية، بينما يقيمها في أحيان أخرى سكان الحي أنفسهم الذين يتشاركون في جمع التبرعات وشراء مستلزمات الطعام.
يبدأ التحضير لمائدة الرحمن منذ الصباح، حيث تُطهى كميات كبيرة من الطعام في مطابخ قريبة أو داخل المساجد، ثم تُنقل إلى مكان المائدة قبل الإفطار بوقت قصير.
ويحرص المتطوعون على تنظيم عملية الجلوس وتوزيع الطعام بسرعة حتى يحصل الجميع على وجبتهم في الوقت المناسب، كما تنتشر فرق شبابية تحمل صناديق التمر وزجاجات المياه لتوزيعها على المارة في الشوارع أو سائقي السيارات الذين قد لا يتمكنون من الوصول إلى موائد الرحمن.
هذه المبادرات البسيطة تعكس روح العطاء التي يحرص المصريون على إحيائها في رمضان، حيث يشعر كثيرون بأن إطعام الصائمين من أفضل الأعمال في هذا الشهر.
تتنوع أماكن موائد الرحمن في مصر بشكل كبير، فبعضها يُقام في الشوارع الضيقة داخل الأحياء الشعبية، بينما تُنظم أخرى في ساحات المساجد الكبرى التي تستوعب مئات الصائمين يومياً. في هذه الأماكن يصبح الإفطار الجماعي مشهداً مميزاً، حيث تصطف الطاولات في صفوف طويلة، ويجلس الناس جنباً إلى جنب في هدوء ينتظرون الأذان.
وفي بعض المناطق تتحول المائدة إلى مناسبة يومية تجمع أهل الحي، حيث يتبادل الجيران التحية ويتعاونون في خدمة الضيوف، كما يحرص البعض على تقديم أطباق إضافية من الحلويات الرمضانية مثل القطايف أو الكنافة، إلى جانب المشروبات التقليدية مثل التمر الهندي والخشاف. وبعد انتهاء الإفطار يتسابق المتطوعون لجمع الأطباق وتنظيف المكان استعداداً لليوم التالي.
لا تقتصر أهمية موائد الرحمن على تقديم الطعام فقط، بل تحمل دلالة اجتماعية وإنسانية عميقة. بحسب خبراء الاجتماع فهي تعكس، بحسب قولهم، فكرة المشاركة والتضامن بين أفراد المجتمع، حيث يشعر الجميع بأنهم جزء من مائدة واحدة، كما تمنح هذه الموائد فرصة للتعارف والتواصل بين أشخاص قد لا تجمعهم معرفة سابقة، لكنها تجمعهم لحظة الإفطار نفسها.
