طيلة 110 أعوام، ظل طواف فرنسا - الحدث الأبرز في عالم الدراجات الهوائية - عصياً على الدراجين البريطانيين، ولم يكن سِجل الفريق الوطني البريطاني يحمل أي إنجاز يُذكر في هذه المنافسة العريقة، بل إن إحدى الشركات المصنعة للدراجات، رفضت بيع معداتها للفريق، خشية أن يضر ذلك بسمعتها التجارية، واستمر هذا الركود، حتى تولى ديف برايلسفورد إدارة الأداء، ليتبنّى استراتيجية تقوم على «تراكم المكاسب الهامشية».

لم يبحث برايلسفورد عن تغييرات جذرية، بل فكّك كل ما يتعلق بركوب الدراجات، باحثاً عن تحسن بنسبة 1 % في كل تفصيلة، من نوعية الإطارات، إلى وزن الملابس، وصولاً إلى نوعية الوسائد التي ينام عليها الرياضيون، والنتيجة أنه خلال العقد الممتد بين 2007 و2017، حصد الدراجون البريطانيون 178 بطولة عالمية، وهيمنوا على طواف فرنسا والألعاب الأولمبية.

مقاربة تفكيكية

هذه الحادثة التاريخية، ليست سوى مدخل تطبيقي لفهم الأطروحة المركزية التي يطرحها كتاب «العادات الذرية» لجيمس كلير، فالكتاب في جوهره يقدم مقاربة تفكيكية للسلوك البشري، محاولاً نقل بؤرة الاهتمام من «الأهداف الكبرى» إلى «الأنظمة اليومية»، ومفاد هذه المقاربة، أن الفرد الذي يضع هدفاً طموحاً دون بناء نظام عادات يدعمه، يشبه من يريد الوصول إلى وجهة دون أن يهتم بصلاحية محرك سيارته، والأهداف في هذا السياق، ليست سوى اتجاهات عامة، أما العادات، فهي الوقود الفعلي الذي يحرك المسيرة.

عملية تراكمية

من الناحية النقدية، يطرح الكتاب إشكالية هامة، تتعلق بكيفية فهمنا للتغيير، فالثقافة المعاصرة المدفوعة بإيقاع الاستهلاك السريع ومنصات التواصل الاجتماعي، تميل إلى تضخيم «اللحظة الحاسمة»، أو «التحول الدرامي». في المقابل، يقترح كلير أن التغيير الحقيقي هو عملية رياضية تراكمية، فالعادة الصغيرة -كقراءة صفحة واحدة أو ممارسة تمرين رياضي لدقائق- تبدو بلا قيمة في المدى القصير، لكنها عبر الزمن تخلق فارقاً تراكمياً هائلاً، وهو يستند في ذلك إلى حسابات رياضية بسيطة، فالتحسن بنسبة 1 % يومياً، يعني أنك بعد عام ستكون أفضل بـ 37 مرة مما كنت عليه، لكن العكس صحيح أيضاً، فالتراجع بنسبة 1 % يومياً، يقود إلى الانهيار التدريجي، الذي لا يُلاحَظ إلا حين يصبح الضرر بالغاً.

صياغة الذات

إنّ القراءة المتأنية لهذا الطرح، تكشف أبعاداً أعمق، تتجاوز مجرد تحسين الإنتاجية الفردية، فالكتاب يمس وتراً حساساً في بنية الهوية الإنسانية، إذ يقترح أن السلوك المتكرر ليس مجرد فعل آلي، بل هو أداة لصياغة الذات، فكل فعل نقوم به، هو بمثابة «صوت» نمنحه للنسخة التي نريد أن نكون عليها، وهذا الربط بين العادة والهوية، ينقل النقاش من دائرة «ماذا أريد أن أحقق؟»، إلى دائرة «من أريد أن أكون؟»، وهو تحول فلسفي جوهري في طريقة تناول موضوع التغيير الذاتي.

عادات جمعية

على مستوى فكري أوسع، يمكن إسقاط هذه الرؤية على البنى المجتمعية، فالمجتمعات لا تتغير فجأة بقرارات فوقية فحسب، بل تتشكل هويتها الثقافية والحضارية عبر تراكم العادات اليومية لأفرادها، فاحترام الوقت، وإتقان العمل، أو حتى طريقة التعامل مع الفضاء العام، كلها تبدأ كعادات فردية صغيرة، لتتحول مع التكرار والزمن، إلى أعراف اجتماعية وقوة ثقافية صلبة، ومن هذا المنظور، فإن السؤال عن سبب تقدم بعض المجتمعات وتأخر غيرها، قد يجد جزءاً من إجابته في طبيعة العادات الجمعية السائدة فيها، لا في الموارد والإمكانات وحدها، وهذا ما يجعل السؤال عن العادات سؤالاً حضارياً بامتياز، لا مجرد سؤال شخصي، يخص الفرد وإنتاجيته.

عوامل هيكلية

ومع ذلك، لا يخلو هذا الطرح من زوايا تستحق المساءلة، فالتركيز الشديد على «الأنظمة» و«التراكم البطيء»، قد يغفل أحياناً دور العوامل الهيكلية والظروف المحيطة، التي قد تعيق الفرد عن بناء هذه العادات، مهما بلغت إرادته، فالفقر، والضغط الاجتماعي، وانعدام البيئة الداعمة، كلها عوامل لا تكفي معها نصيحة «ابدأ بعادة صغيرة»، كما أن اختزال السلوك البشري المعقد في معادلة رباعية من المحفزات والاستجابات، قد يبدو تبسيطاً مفرطاً للطبيعة الإنسانية التي تتداخل فيها العواطف والظروف النفسية والاجتماعية بصورة أكثر تشابكاً مما تستوعبه أي معادلة.

منظومة سلوكية

ثمة أيضاً سؤال فلسفي أعمق، يطرحه الكتاب، دون أن يجيب عنه بالكامل، وهو هل العادة تصنع الإنسان، أم أن الإنسان هو من يصنع عاداته؟ بمعنى آخر، إلى أي حد تظل الإرادة الحرة حاضرة في منظومة سلوكية، تعمل في معظمها بشكل لا واعٍ وآلي؟ فعلماء الأعصاب يشيرون إلى أن ما يزيد على 40 % من أفعالنا اليومية، هي عادات، لا قرارات واعية، وهو رقم يجعل سؤال الوعي والسيطرة على الذات، أكثر إلحاحاً مما يُقرّ به الكتاب. هذا التوتر بين الحرية والبرمجة الذاتية، يبقى مفتوحاً، وهو ما يجعل الكتاب مثيراً للتساؤل، بقدر ما هو مثير للاهتمام.

وتكمن قيمة هذه المقاربة في إعادتها الاعتبار لـ «الاعتيادي» و«اليومي»، في عالم يلهث خلف الاستثنائي والبطولي، وتذكّرنا فكرة العادات الصغيرة، بأن المصائر -سواء للأفراد أو المجتمعات- غالباً ما تُهندس بصمت، بعيداً عن الأضواء، في تفاصيل الأيام العادية التي لا نلقي لها بالاً، وكما أثبت الفريق البريطاني للدراجات، فإن 110 أعوام من الغياب، يمكن أن تُمحى بعقد واحد من نجاح التفاصيل الصغيرة المتراكمة.