تناغم إبداعي وانسياب بصري ورؤى فلسفية وسط أساليب إبداعية متنوعة وخامات فنية شتى، تشكل معاً الأعمال المنتقاة في معرض «في تآلف»، الذي انطلق أخيراً ضمن النسخة الرابعة من فعالية «ليالي مقتنيات دبي» في مكتبة الصفا للفنون والتصميم، ويجمع نخبة من فناني مقتنيات دبي من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، حيث تتجاور اللوحات والمنحوتات لا بوصفها قطعاً منفصلة، بل جوقة بصرية تبحث عن معنى مشترك وخيط رفيع تنتظم خلاله.

مفارقة بصرية

وتطل علينا الفنانة اللبنانية إيتيل عدنان، من خلال لوحتها التي تحمل عنواناً يضج بالصراع «إكسبرس بيروت - الجحيم»، لتقدم لنا مفارقة بصرية مذهلة؛ فبينما يوحي الاسم بالاضطراب ينسكب المشهد أمام أعيننا بصفاء هندسي ولوني غاية في الرقة والهدوء.

وتعتمد إيتيل في لوحتها أسلوباً يختزل الطبيعة إلى أشكالها الأولية، حيث نرى جبالاً وسهولاً وشمساً تتحول إلى مساحات لونية نقية. هذا التبسيط، الذي تغيب خلاله التفاصيل، يجسد المشاعر، ويرسم جوهر المكان لا تضاريسه، فيما تنساب الخطوط المنحنية للجبال بنعومة، ما يخلق إيقاعاً بصرياً يريح العين ويأخذها في رحلة تأملية.

فوضى منظمة

وفي عملها «التحكم خارج المركز»، تقدم الفنانة سارة المهيري تجربة بصرية تعيد صياغة مفهوم التوازن والقوة في الفضاء الفني. إنها ليست مجرد لوحة، بل هندسة للمشاعر وتنظيم للفوضى تحت سطوة الأكريليك والخشب والقماش.

وفي الوهلة الأولى، يواجه المتلقي حواراً صامتاً بين الفراغ والامتلاء؛ فالمساحات البيضاء المفرغة داخل الإطار الخشبي تتجلى كفضاءات للتنفس، وتدعو المشاهد لملئها بخياله الخاص، كما تفرض الكتل القماشية المكسوة بالأكريليك، بألوانها الهادئة والترابية، حضوراً مادياً متيناً يمثل المركز الذي يحاول الإنسان دائماً التشبث به.

صمت مهيب

وتأخذنا الفنانة رنا بيغوم في عملها إلى رحلة يتحول فيها اللوح الخشبي البسيط إلى مسرح لتفاعل الضوء، واللون، والحسابات الصارمة التي تذوب برقة في إحساس إنساني عميق.

ويقف الرائي أمام العمل فيشعر بصمت مهيب يفرضه التكرار المتقن. 30 مربعاً مصطفة كأنها أبيات في قصيدة ترفض العشوائية وتعتنق النظام. هذا التكرار ليس رتيباً، بل هو إيقاع حي؛ فكل مربع هو حكاية منفصلة، لكنها لا تكتمل إلا في حضرة جيرانها، مشكّلة نسيجاً متصلاً يملأ الفراغ ويمنحه هوية.

ذكرى عابرة

وفي حضرة عمل فني يهمس ولا يصرخ، للفنان شوقي شوكيني، تحت عنوان «صحراء 7»، تتشكل لوحة مائية تجسد المكان، وتستحضر حالة شعورية وذاكرة بصرية تختزل اتساع المدى في حيز ورقي صغير.

وتبدأ اللوحة بلون البيج الدافئ الذي يغلف الورقة كغبار ناعم، حيث تذوب الألوان المائية لتخلق خلفية ضبابية تشبه الأفق حين يعانق السراب. شوكيني هنا لا يرسم رمالاً، بل يرسم جوهر الصحراء، ذلك الفراغ الممتد الذي يمنح الروح مساحة للتنفس، ويوحي بأن المشهد قابل للتبخر، وكأنه ذكرى عابرة لمكان شوهد من خلف نافذة قطار سريع أو في حلم بعيد.

متاهة موحية

وتنبض اللوحة البديعة المصنوعة من القماش للفنان السوري الراحل مصطفى فتحي، بإيقاع بصري حاد، حيث يشتبك الأسود الطاغي مع بياض الخلفية في علاقة جدلية لا تنتهي. ويظهر الأسود ككتل صلبة كأنها خلايا حية تتكاثر لتشكل جسداً واحداً. هذا التباين العالي يمنح اللوحة طاقة درامية، تجعل العين حائرة في ممرات هذه المتاهة، تبحث عن مخرج فلا تجد إلا مزيداً من التفاصيل الجذابة. وعند التأمل في تكوين اللوحة، نجد أن الفنان نجح في حبس الفوضى داخل إطار هندسي دقيق، فتوحي الخطوط المتقاطعة والزوايا الحادة لنا بصور شتى قد نراها خريطة لمدينة قديمة من منظور علوي، حيث الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة التي تخبّئ حكايا أهلها، أو ربما هي نقوش تراثية مستوحاة من نسيج يدوي أعاد الفنان صياغته بروح حداثية تجريدية.

علاقة معقدة

وينساب كالشلال أو كخيط من الضوء فوق منحدرات الجبل، عمل فني يفيض بالرمزية للفنان الراحل حسن شريف، رائد المفاهيمية في الإمارات. إنها لوحة تحاول استكشاف العلاقة المعقدة بين الجسد المادي والروح الساعية للتحرر.

واستخدم حسن شريف ضربات فرشاة قصيرة وكثيفة خلقت ملمساً بارزاً يمنح اللوحة حيوية بصرية فائقة، وخلال ذلك تتدرج لتعكس تنوع الحياة وتعدد حالات النفس البشرية، فتبدو الفسيفساء اللونية ككائن حي ينبض بالحركة، وليس مجرد كتلة صخرية صماء.

تجريد فني

وفي حديثها لـ«البيان»، تؤكد القيّمة الفنية جمانة عباس، أن معرض «في تآلف» يمثل تجربة فنية فريدة تسعى لدمج الفن التشكيلي في سياق بناء المعرفة، موضحة أن اختيار مكتبة الصفا للفنون والتصميم بدبي فضاء للعرض جاء بهدف تأطير المعرض بوصفه «لحظة قراءة» وفهرسة ببليوغرافية لفن التجريد، بعيداً عن قاعات العرض التقليدية.

وتشير عباس إلى أن توقيت المعرض، الذي يتزامن مع شهر رمضان المبارك، يمنحه بُعداً وجدانياً خاصاً، قائلة: «أردنا أن تكون هذه اللحظة فرصة للتآلف وفهرسة أشكال المعرفة المستخلصة من مناظرنا الطبيعية من خلال لغة التجريد».

انفتاح جماهيري

وفيما يخص تفاعل الجمهور، تشدد عباس على أن «مقتنيات دبي» تضع الوصول إلى الجمهور العام غير المتخصص على رأس أولوياتها، لافتة إلى أن المعرض يكسر حاجز النخبوية عبر الموازنة بين أسماء فنية رائدة وعالمية مثل سامية حلبي وحسن شريف، وبين فنانين آخرين قد لا يعرفهم الجمهور بشكل واسع مثل مصطفى فتحي، ما يضمن تجربة بصرية غنية ومتاحة للجميع. وتبيّن جمانة هيكلية المعرض التي تنقسم إلى ثلاثة مسارات مفاهيمية كبرى، هندسة الخيال: وتضم أعمالاً تركز على البناء الهندسي التجريدي، والمواد بوصفها سجلاً: وهي مجموعة تستعرض المادية في الفن وكيف تتحول الخامات إلى وثائق لتاريخ المدن، وأشكال الحضور: وتركز على التفاعل مع السياق المحلي والمواد اليومية.