على عتبة الضوء، حيث تلتقي الأنفاس المحبوسة بصرير الخشبة العتيقة، يقف المسرح اليوم متسائلاً عن وجهته: أيظلُّ وفياً لنخبوية تمنحه القداسة والجوائز وتفتقد في ممراتها صدى الجمهور، أم يهرع نحو جماهيرية قد تمنحه التصفيق لكنها تخشى الانزلاق في فخ السطحية؟
وبين رؤية فنية تنشد بناء الوعي وترفض التنازل عن معايير الجودة البصرية والمضمون الهادف، وقراءة نقدية تدق ناقوس الخطر محذرةً من انغلاق المسرحيين خلف أسوار المهرجانات، تبرز الحاجة إلى معادلة دقيقة تحترم عقل المتلقي وتتصل بوجدانه.
وخلال هذه السطور، تمضي «البيان» مستطلعة آراء قامات في الوسط المسرحي الإماراتي، في رحلة بحث عن مسرح لا يقصي أحداً، مسرح يتجاوز الحضور الموسمي ليتحول إلى فعل ثقافي حي يلامس قضايا المجتمع بصدق، ويستثمر الدعم اللامحدود ليصوغ هويته الخاصة بين الأصالة والتجديد.
أنماط متنوعة
ويؤكد الفنان المسرحي أحمد الجسمي أن المسرح ليس مجرد خشبة للعرض، بل هو رسالة سامية تهدف إلى التطوير وبناء الوعي المجتمعي، مشيراً إلى أن التنوع في الأنماط المسرحية، بين الجماهيري والنخبوي، يغني المشهد الثقافي، إلا أن بوصلته الشخصية تتجه دائماً نحو المسرح الجاد والهادف.
ويوضح الجسمي أن التوجه الفني الذي يتبناه ينبثق من الدعم والرعاية الكبيرة التي يوليها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، للمسرح، قائلاً: «نقتفي أثر سموه في كتابته واهتمامه بالمسرح، إذ يمثل المسرح الجاد سبيلنا وديدننا الذي لا نحيد عنه».
ويشدد على أن البحث عن الحكايات الهادفة هو الأساس في اختيار أعماله، مؤكداً أن معايير الجودة لا تقتصر على الحوار فقط، بل تمتد لتشمل اللغة البصرية التي يجب أن تكون بمستوى فني رفيع يليق بالجمهور، والمقولة المسرحية؛ إذ يرفض تقديم أي عرض يفتقر إلى رسالة جوهرية تخاطب المجتمعين المحلي والعربي.
وفي رؤية تحليلية للواقع الحالي، يصحّح الفنان أحمد الجسمي الاعتقاد السائد بأن الجمهور يبحث عن الترفيه البسيط فقط، مؤكداً أننا أمام «جمهور مفكر وواعٍ»، وأن «الجيل الحاضر يرى الأعمال العالمية بجودة عالية عبر المنصات والسينما، وأصبحت ذائقته الفنية متطورة جداً»، مضيفاً: «حتى الأعمال التي توصف بالنخبوية، نجد الجيل الجديد يتوقف عندها بتقدير؛ لأنها تقدم له شيئاً مغايراً ومميزاً».
وبرغم انحيازه للمسرح الجاد والمهرجانات، يؤكد الجسمي أنه ليس ضد المسرح الجماهيري، بل هو من الممارسين له، نظراً لما يوفره من صلة مباشرة مع الناس عبر الكوميديا الراقية، مختتماً حديثه بالتعبير عن سعادته بتقديم هذا المزيج المسرحي المتنوع، مع بقاء الالتزام بجماليات المضمون والشكل كهدف أسمى.
فن وُجد للناس
ويؤكد الفنان المسرحي ناجي الحاي أن الانغلاق النخبوي والجري وراء جوائز المهرجانات أدَّيا إلى قطيعة حقيقية مع الجمهور العام.
ويرى الحاي أن المسرح بطبيعته فن وُجد للناس كافة، بينما يظل المسرح النخبوي حالة استثنائية موجودة عالمياً لغرض التجريب وتأسيس مدارس فنية جديدة، مستشهداً في ذلك بأسماء قامات، مثل: «برتولت بريشت» و«بيتر بروك»، بدأت أعمالهم نخبوية ثم تحولت إلى مناهج طورت أدوات المسرحيين للوصول إلى الجمهور العريض.
ويضيف: «لقد قدمنا آلاف الأعمال النخبوية على مدار العشرين عاماً الماضية، لكننا لم نخرج برؤية جديدة تشكل إضافة حقيقية للمسرح؛ فمعظم العروض أصبحت تتشابه، ولا تملك القدرة على البقاء خارج أسوار المهرجانات ولو يوماً واحداً».
وفي سياق متصل، يؤكد الحاي أن المسرحيين في الإمارات هم الأكثر حظاً بفضل الدعم اللامحدود الذي يحظون به، إلا أنه ينتقد طريقة تعامل المسرحيين مع هذا الدعم، حيث عجزوا عن استثماره في تطوير خطاب مسرحي موجَّه إلى المجتمع، وفضَّلوا بدلاً من ذلك تعزيز الانغلاق الفني.
وعند التطرق للمسرح الكوميدي، يوضح الحاي أسباب فشل المحاولات الحالية، مرجعاً ذلك إلى الاعتماد على «القفشات» والإيحاءات غير المقبولة اجتماعياً، بدلاً من التعامل مع الكوميديا بوصفها فناً راقياً مبنياً على أسس علمية.
حالة إنسانية
من جانبه، يضع الفنان المسرحي غانم ناصر النقاط على الحروف فيما يخصُّ الجدل القائم بين «النخبوية» و«الجماهيرية»، مؤكداً أن المسرح الحقيقي هو الذي يتجاوز التصنيفات الضيقة ليخلق حالة إنسانية جامعة.
ويرى أن الحدود الفاصلة بين المسرح الجاد والمسرح الجماهيري ليست حدوداً فكرية أو مرتبطة بحجم الإقبال، بل هي مرتبطة حصراً بطريقة تقديم الفكرة؛ فالمسرح الجاد، في نظره، لا يعني بالضرورة التعقيد أو إقصاء الآخر، كما أن المسرح الجماهيري لا ينبغي أن يكون مرادفاً للسطحية.
ويوضح ناصر أن الفارق الجوهري يكمن في توظيف الأدوات الفنية والقدرة على استخدام النص والأداء والإخراج لطرح تساؤلات إنسانية واجتماعية عميقة، سواء أكانت اللغة رمزية أو مباشرة، هذا إضافة إلى احترام الجمهور؛ لأن المسرح الناجح هو معادلة دقيقة تحترم عقل المتلقي وتتصل بوجدانه في آن واحد.
وعن الصعوبات التي تواجه المسرح اليوم، يقرّ غانم ناصر بوجود تحدٍّ حقيقي في الموازنة بين الخطاب النخبوي وجذب الجمهور، لا سيما مع تصاعد حدة المنافسة مع الوسائط الرقمية السريعة، منتقداً تقديم خطاب نخبوي بلغة مغلقة تؤدي إلى إقصاء الجمهور، أو الانزلاق نحو أعمال جماهيرية تضحّي بالقيمة الفنية، ومؤكداً أن الحل لا يكمن في اختيار أحد الجانبين، بل في إيجاد صيغة فنية ذكية تضمن عمق العمل ومتعته، وتخاطب كل الشرائح دون التنازل عن الهوية الفنية للعمل.
وفيما يخص مستقبل المسرح في الإمارات، يطرح ناصر رؤية شمولية تتجاوز الحضور الموسمي، مشدداً على ضرورة تبني عدة محاور أساسية لتعزيز حضور المسرح مستقبلاً، أبرزها دعم المحتوى المحلي وتطوير أدوات الفنان.
ويلفت إلى ضرورة توسيع قاعدة الجمهور عبر التعليم والتسويق الثقافي المستمر، وعدم الاكتفاء بالمهرجانات، وأهمية الانفتاح الواعي بالاستفادة من التجارب العالمية مع الحفاظ الصارم على الخصوصية المحلية، وتشجيع الأعمال التي تلامس قضايا المجتمع الإماراتي بوعي وصدق، مؤكداً أن المسرح عندما يجمع بين الجودة الفنية والتواصل الإنساني، يتحول من مجرد عرض عابر أو فعل نخبوي إلى فعل ثقافي حي ومؤثر في المجتمع.
