في مشهد ثقافي يتنامى بثقة، ويبحث عن صوته المتجدّد بين ضجيج اليومي وسرعة التحوّلات، تبرز جائزة المقال الإماراتي بوصفها نافذة ضوء على الكلمة المسؤولة، لتعيد الاعتبار لفنّ المقال، بوصفه مساحة للتأمل والحوار وصناعة الوعي.

الجائزة، التي تحتفي بالنصوص المكتوبة في نسختها الثانية هذا العام، غدت منصة تحرك الساكن في المشهد الفكري، وتستنهض الأقلام لتلامس أسئلة المجتمع، وتعيد صياغة العلاقة بين الكاتب والقارئ على أسس من العمق والجرأة والالتزام الجمالي.

ومن خلال احتضانها أصواتاً شابة وتجارب راسخة، أسهمت الجائزة في توسيع دائرة النقاش الثقافي، وخلقت حراكاً نقدياً يتجاوز حدود التتويج إلى بناء تقاليد فكرية جديدة، فهي لا تمنح تقديراً فحسب، بل تمنح شرعيةً لحضور المقال، بوصفه أداةً للتنوير، ووسيلةً لإعادة ترتيب الأولويات الثقافية، في زمنٍ تتنافس فيه الوسائط على جذب انتباه المتلقي.

هكذا تغدو الجائزة رافعةً للمشهد الفكري الإماراتي، وجسراً بين طموح الإبداع، وحاجة المجتمع إلى خطابٍ يعمّق الفكرة ويثري الوعي.

إعادة اعتبار

وأكد الكاتب الصحافي وأستاذ العلوم السياسية الدكتور عبدالخالق عبدالله رئيس مجلس أمناء جائزة المقال الإماراتي، في تصريح لـ «البيان»، أن إطلاق الجائزة جاء انطلاقاً من إيمان عميق بضرورة إعادة الاعتبار للمقال الصحافي، الذي لم ينل حظه الكافي من التقدير والاحتفاء في المشهد الثقافي، موضحاً أن الساحة الثقافية تزخر بعشرات الجوائز الأدبية، إلا أن المقال ظل غائباً عن منصات التتويج، برغم دوره المحوري في تشكيل الرأي العام والارتقاء بالذوق العام للمجتمع.

وحدّد 3 مستهدفات رئيسة للجائزة، وهي: إعادة الحضور للمقال الوطني ليتصدر المشهد الثقافي بما يليق بمكانته التاريخية، وتقديم التقدير المستحق لكاتب المقال الوطني، الذي يكرس قلمه لمناقشة قضايا الوطن والمواطن، والبحث عن دماء جديدة من الكتَّاب الشباب والجيل القادم الذين يواجهون صعوبات في النشر بالصحف المحلية، نتيجة ضيق المساحات المتاحة، معرباً عن أمله بأن تكون الجائزة رافداً جديداً، يضيف زخماً للحراك الثقافي والأدبي الذي تشهده دولة الإمارات.

وفي حديثه حول آليات التقييم، أوضح الدكتور عبدالخالق أن وضع الشروط جاء لضمان جودة المنتج الثقافي المقدم، وأن الأصالة والعمق يمثلان حجر الزاوية في اختيار الفائزين، مشدداً على أن الساحة الإماراتية غنية بالكتابات اليومية، لكن طموح الجائزة يتجاوز الكم نحو الكيف.

ولفت إلى أن التحديثات النوعية التي شهدتها الدورة الثانية للجائزة، كانت استجابةً للتطورات الإبداعية والتقنية المتسارعة في المشهد الثقافي، منوهاً باستحداث فئات جديدة، تهدف إلى إثراء المحتوى المعرفي، وإضافة فرع «المقال الفني» الذي يغطي مجالات الموسيقى، والمسرح، والشعر، والفنون المرئية، والضوئية، وإيلاء أهمية قصوى للجيل الصاعد، بإطلاق فرع مخصص لطلاب المدارس والشباب دون سن 18 عاماً، وفتح باب المشاركة للكُتّاب المقيمين داخل الدولة، شريطة أن يتناول المقال قضية إماراتية، مؤكداً أن للمقيمين بصمة مهمة في الحراك الثقافي المحلي.

وعلى الصعيد التقني، بيّن الدكتور عبدالخالق أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح شريكاً في التفكير والتخطيط، ولذا واكبت الجائزة التكنولوجيا الحديثة، وسمحت بالاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي بنسبة لا تتجاوز 30 % من صياغة المقال، مؤكداً أن لجنة التحكيم تمتلك الأدوات الكفيلة بتمييز المحتوى البشري، وتقييم مدى الاستعانة بالتقنيات الحديثة.

رسالة ثقافية

وأكدت الأكاديمية والناقدة الدكتورة مريم الهاشمي عضو مجلس أمناء الجائزة، أن هذه المبادرة تأتي استمراراً لرسالة ثقافية سامية، تهدف إلى إثراء الفكر العام، وتعزيز حضور الأقلام الوطنية في واحد من أهم الأجناس الأدبية التصاقاً بالواقع اليومي، موضحةً أن الجائزة أُطلقت لتسدّ فراغاً ملحّاً في خريطة الجوائز الإبداعية.

ولفتت إلى أن فن المقال كان -ولا يزال- المحرك الأصيل للحراك الثقافي عبر التاريخ، واصفةً إياه بأنه مساحة حرة للتأمل والمساءلة وتوليد الأفكار، وأداة لإضاءة التحولات الاجتماعية والفكرية المتسارعة، وجسر يربط بين الثقافة والواقع.

وأشارت الهاشمي إلى أن الدورة الأولى كشفت عن حاجة ماسة إلى مبادرات تعيد الاعتبار للمقال كخطاب ثقافي حي، وأنه بناءً على ما أظهرته المشاركات من طاقة كتابية لافتة، ورغبة في تطوير هذا الفن ليواكب أسئلة الزمن، أعلنت الجائزة عن تحديثات جوهرية في دورتها الجديدة، منوهةً بما تم استحداثه من فئات إضافية في فروع الجائزة، بهدف توسيع دائرة المشاركة، لتشمل مختلف أطياف الكتَّاب والباحثين، إضافة إلى مضاعفة القيمة المادية، التي تم رفع قيمتها إلى الضعف في فئات الجائزة كافة، ما يشكّل خطوة تعكس الثقة بأثر هذا الفن.

وبينت أن الجائزة تتطلع إلى تحقيق قفزة نوعية في مستوى اللغة، والرؤية، والعمق، والمنهج، والارتقاء بالمعايير لدعم الكاتب وإيصال صوته، مشددةً على أن رسالة الجائزة لا تتوقف عند التكريم المادي، بل تمتد لتشمل دعم النشر، وأنه كما حدث في الدورة السابقة، سيتم نشر المقالات الفائزة والمتميزة، إيماناً بضرورة إيصال صوت المبدع الإماراتي إلى أوسع شريحة من القراء.

مستويات ناضجة

وأكدت الكاتبة ميرة الجناحي عضو مجلس أمناء جائزة المقال الإماراتي، أن الجائزة نجحت في خلق حراك ثقافي ملموس، يرتكز على قيم الأصالة والعمق، مشيرةً إلى أن الدورات السابقة كشفت عن مستويات ناضجة من الطرح والرؤى الجادة، التي تُبشر بولادة جيل جديد من كُتّاب المقال الرصين.

وأوضحت أن أحد الأهداف الجوهرية للجائزة، هو إبراز كاتب المقال كصاحب قلم عميق ومؤثر في المجتمع، وأن المشاركات السابقة أظهرت وعياً مرتفعاً في تناول القضايا، معتبرةً أن استمرار هذه الأقلام وتطوير أدواتها، هو ما سيدفع بها مستقبلاً إلى دائرة التأثير الحقيقي.

وشددت الجناحي على أهمية فئة «مقال لكاتب مقيم»، مؤكدةً أن المقيم هو شريك أصيل على أرض الإمارات منذ التأسيس.

وأضافت: «استحداث فرع للمقيمين، يهدف إلى إتاحة الفرصة لهم لتناول القضايا الإماراتية من منظورهم الخاص، ما يثري المشهد الثقافي برؤى متنوعة، تضيء زوايا غير منظورة في قضايا المجتمع المعاصرة». وحول استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة الإبداعية، وصفت ميرة هذه التقنية بأنها «واقع لا مفر منه».

وفصّلت الجناحي معايير القبول والرفض في هذا الجانب وفق عدد من النقاط، موضحةً أنه يُقبل استخدام التقنية في المراجعة الإملائية، وتنسيق الأفكار، أو البحث عن معلومات محددة.