لعميد الأطباء في التاريخ العربي والإسلامي، أبي القاسم الزهراوي، كتاب شهير بعنوان «التصريف لمن عجز عن التأليف»، ليس كتاباً طبياً عادياً كما يشاع، بل موسوعة واسعة في 30 جزءاً تمثّل ذروة إنجازاته العلمية.

وقد خُصّص الجزء الأخير للجراحة، فكان سبب تلقيبه بأبي الجراحة الحديثة؛ إذ جمع فيه خلاصة معارفه في الطب والصيدلة والجراحة، وابتكر أدوات وتقنيات صارت مرجعاً للأجيال.

ولمّا تُرجم هذا الجزء إلى اللاتينية، اعتُمد كتاباً تدريسياً أساساً في جامعات أوروبا لأكثر من 5 قرون.

الجرّاح الرحيم.. فلسفة باقية

لم يكن الزهراوي طبيباً ماهراً فحسب، بل صاحب رؤية أخلاقية ترى الطب علماً بالرحمة قبل أن يكون علماً بالأدوات، كتب في مقدمة موسوعته: «ينبغي للجراح أن يكون رفيقاً بالمريض، بعيداً عن الغلظة، حافظاً لسره، متقناً ليده ولسانه».

هذه الفلسفة ستظل حية في مدارس الطب الحديثة، شاهدة على أن المروءة قرينة المهارة، وقد ذكر ذلك (ابن أبي أصيبعة) من القرن الثالث عشر الميلادي، في موسوعته «عيون الأنباء في طبقات الأطباء».

التعريف بعلمه ومنهجه

نشأ نهجه على الملاحظة الدقيقة والتجريب السريري، مع ثقافة واسعة بتراث أبقراط وجالينوس ومنهج الرازي، مستعيناً بترجمات حنين بن إسحاق الدقيقة للمصطلح الطبي، لكنه تجاوز الشرح إلى الاختراع والتطبيق العملي، كما ذكر الكيميائي والمؤرخ الأمريكي جورج سارتون في كتابه «مقدمة في تاريخ العلوم».

أدواته الجراحية وابتكاراته

أدخل الزهراوي في «التصريف» رسومات هندسية لأكثر من 200 أداة جراحية، موضحاً وظيفة كل جزء وطريقة الاستعمال: المشارط الدقيقة، الملاقط لاستئصال الأجسام الغريبة وخلع الأسنان، المثاقب لجراحات العظام والجمجمة، وأدوات الكي لإيقاف النزيف واستئصال الأورام، وقد صنف أكثر من 50 نوعاً من أدوات الكي، حسب الموضع والحرارة المطلوبة، وهي الأساس الذي طُوّر لاحقاً إلى الكي الكهربائي في الجراحة الحديثة، وهو من أوائل من استخدم الخيوط القابلة للامتصاص المصنوعة من أمعاء الحيوان لخياطة الأنسجة الداخلية، كما قدّم أدوات بدائية للمنظار النسائي وابتكارات في التوليد القيصري، والولادات المتعسرة، ووصف عملية استخراج الجنين الميت، وأدخل الملاقط النسائية قبل أوروبا بقرون عدة، وهي لبنات تطوّرت إلى الأجهزة الحديثة.

الابتكار والاستعمال

وكما ذكر ماكس مايرهوف في منشوره «كتاب الرسائل العشر في العين» عام 1928، وهو طبيب ألماني ومؤرخ بارز، عاش في القاهرة، كتب عن الزهراوي أن رسومه لم تكن خيالاً، بل أدوات صُنعت في ورش الحدادين بقرطبة، وهي بالعشرات، وتصل إلى ما يقارب الـ200 أداة للجراحة، واستُخدمت فعلاً في غرف الجراحة الأندلسية تحت إشرافه، مع تصميم يراعي سلامة المريض وتقليل الألم، ويُخضع الجراحة لمنهج دقيق يجمع العلم بالصنعة.

الميلاد والنشأة

وُلد خلف بن عباس الزهراوي نحو 936م/324هـ في مدينة الزهراء قرب قرطبة، ونُسب إلى مدينته، في بيئة تحتفي بالعقل والمستشفيات والمكتبات، وبها تشكّل وعيه الطبي في البيمارستان الأموي، حيث شاهد العمليات ودوّن ملاحظاته، غير أن أخبار طفولته قليلة في المصادر العربية الكلاسيكية، أوثقها المصري جمال الدين القفطي من القرن الثالث عشر.

تُرجم كتاب «التصريف» للزهراوي إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي، على يد المترجم الإيطالي جيرارد الكريموني، الذي عُثر على أعماله المترجمة في مكتبات طليطلة الإسبانية فيما بعد، وقد تبنّته جامعات مثل ساليرنو وبادوفا ومونبلييه قروناً طويلة، مؤسِّساً بذلك لتقليد جراحي أوروبي جديد يعتمد الرسم التوضيحي مع الممارسة السريرية.

وذكر الكريموني أنه الطبيب الذي بدأ تلميذاً لجالينوس وانتهى معلّماً للعالم، ومن تلميذ يقرأ اليونان إلى معلّم عالمي، امتد أثره إلى علماء أوروبا في العصور اللاحقة، وترك إرثاً أخلاقياً ومعرفياً لا يبهت بمرور الزمن.

أبرز المتأثرين به

من القرن العشرين، أعاد ماكس مايرهوف، الطبيب والمؤرخ الألماني، اكتشاف إنجازاته للعالم الغربي، الذي وثق أعماله في كتاب الزهراوي: العالم المسلم الكبير، وكذلك جورج سارتون عام 1928 حلل أدواته وتقنياته ومكانته في تاريخ الجراحة في دراسة نقدية عن مجلدات الزهراوي المحققة.

تُوفي الزهراوي نحو 1013م/403هـ مع اضطرابات الأندلس، لكن اسمه ظل جسراً من قرطبة إلى باريس، ومن مخطوط عربي مصوَّر إلى كتاب جامعي أوروبي لخمسة قرون. خلاصة رسالته في اليونسكو، وكُتب تعليقاً على مخطوطه: «العلم لا يكتمل إلا بيد رحيمة».