في زمن باتت فيه الشاشة تُختزل إلى راحة يد، وتتنافس الثواني على انتباه متلقٍّ متعجل، تبدو السينما كأنها تقف أمام اختبار وجودي جديد. فبين إيقاع المنصات الرقمية المتسارع، وسيل المقاطع القصيرة التي تُستهلك بلمح البصر، يطفو سؤال جوهري على سطح المشهد البصري: هل يعيد هذا التحوّل تعريف العلاقة بين الجمهور والصورة، أم يفرض على «الفن السابع» أن يعيد صياغة نفسه؟

لم تعد الأفلام القصيرة مجرد محطة تدريب أو تمرين عابر، بل تحوّلت إلى مساحة تعبير مكتملة، تستثمر التكثيف والاختزال لمخاطبة جمهور تغيرت عاداته وطرائق تلقيه. غير أن هذا الصعود المتنامي يفتح باب الجدل على مصراعيه: هل نحن أمام بديل سينمائي جديد تفرضه الضرورة الرقمية، أم أمام شكل مكمّل لا يلغي سحر التجربة السينمائية الكاملة؟ وبين من يرى في الأفلام القصيرة استجابة ذكية لروح العصر، ومن يحذّر من ذوبان الفن في منطق السرعة، تستطلع «البيان» آراء صناع سينما ومهتمين بالشأن الثقافي، في محاولة لقراءة مستقبل الصورة، وحدود التوازن الممكنة بين عمق السينما وإيقاع الزمن الرقمي.

وحذرت المخرجة السينمائية نجوم الغانم، من الخلط بين فن السينما والمحتوى السريع الذي تفرضه منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن تقليص جودة الفن بحجة ضيق وقت الجمهور هو رهان خاسر يهدد الهوية الثقافية للشعوب.

وأكدت الغانم ضرورة التمييز الدقيق بين الأفلام القصيرة كنوع فني قائم بذاته، ومقاطع «الريلز» ومحتوى «السوشيال ميديا» الذي يهدف إلى التكثيف لمجرد السرعة، مشيرةً إلى أن الفيلم القصير قد لا تتجاوز مدته دقيقة أو ثلاث دقائق، لكنه يظل عملاً سينمائياً حقيقياً من حيث القيمة والبناء، ولا ينبغي وضعه في الفئة ذاتها مع المحتوى الموجَّه إلى من «ليس لديهم وقت».

وشبهت محاولة اختزال الفن السينمائي بمحاولة استبدال الملخصات بالكتب، متسائلةً: «هل الملخص سيلغي الكتاب؟». ورأت أن هذا التوجه يعكس رهاناً خاطئاً على جمهور لا يبحث عن العمق، مشددةً على أن الاستمرار في هذا المسار سيؤدي في النهاية إلى حالة من «اللاثقافة» و«اللافن».

وفي رسالة وجهتها إلى صناع القرار والفنانين، قالت نجوم الغانم: «يجب أن يكون توجهنا هو تعليم الجمهور والإسهام في رفع مستواه، بدلاً من التنازل المستمر لذائقته الحالية»، مختتمةً حديثها بالتأكيد أن الشعوب تقاس بمدى تطور ثقافتها ومعارفها، ومعبّرةً عن طموحها إلى أن تظل المنطقة العربية ضمن الشعوب التي يُفتخر بإرثها المعرفي، وهو ما يتطلب حرصاً شديداً على عدم التضحية بالقيم الفنية أمام موجات السرعة.

تحوّل طبيعي

ورأى المخرج السينمائي طلال محمود، أن تصاعد حضور المنصات الرقمية وتحوّل ذائقة الجمهور نحو المحتوى السريع لا يعني بالضرورة أفول زمن السينما التقليدية، ولا يجعل من الأفلام القصيرة بديلاً حاسماً للأفلام الطويلة، بقدر ما يعبّر عن تحوّل طبيعي في أشكال التلقي ووسائل العرض.

ولفت محمود إلى أن للسينما طقوسها الخاصة التي ما زالت حاضرة بقوة في وجدان جمهورها، قائلاً إن «متعة دخول قاعة مظلمة، وانتظار اللحظة الأولى لبدء العرض، ثم مشاركة القصة مع صنّاعها وجدانياً وبصرياً، تجربة لا يمكن لأي شاشة شخصية أن تعوّضها».

وأضاف أن عشّاق دور العرض ما زالوا موجودين، وإن السينما لا تزال تمثّل ملاذاً بصرياً وثقافياً وعقلياً، يتجاوز فكرة الترفيه السريع إلى تجربة إنسانية متكاملة، مشبّهاً الجدل الدائر اليوم حول تأثير المنصات الرقمية في السينما بما حدث سابقاً عند ظهور جهاز الفيديو، حين ساد الاعتقاد بأن هذا الابتكار سيقضي على دور العرض، إلا أن السينما - وفقاً لرأيه - أثبتت قدرتها على التكيّف والبقاء، دون أن تفقد جوهرها أو مكانتها.

أما عن الأفلام القصيرة، فأوضح محمود أنها ليست منافساً مباشراً للأفلام الطويلة، بل شكل فني قائم بذاته، فرض حضوره لاعتبارات تتعلق بسرعة الإيقاع المعاصر، وسهولة الوصول، ومرونة العرض عبر المنصات والمهرجانات، مشدداً على أن شعبية هذا الشكل لا تعني تراجع الفيلم الطويل، بل تعكس تنوّع الخيارات أمام المشاهد وصنّاع الأفلام على حد سواء.

مكمّل إبداعي

من جانبها، أكدت المخرجة السينمائية نايلة الخاجة، أن تصاعد حضور الأفلام القصيرة في عصر المنصات الرقمية لا يعني بالضرورة أنها باتت بديلاً عن الأفلام الطويلة، موضحة أن هذا الشكل السينمائي يشكّل مكمّلاً إبداعياً يتناغم مع التحولات المتسارعة في أنماط المشاهدة وسرعة استهلاك المحتوى. وأشارت الخاجة إلى أن الأفلام القصيرة باتت أكثر ملاءمة لإيقاع العصر؛ لكونها سريعة الوصول، ومكثفة الفكرة، وقادرة على إيصال الإحساس في زمن محدود، وهو ما أسهم في تنامي شعبيتها على المنصات الرقمية المختلفة، ولا سيما بين الجمهور الباحث عن محتوى مختصر وفعّال.

وأضافت أن هذا النوع من الأفلام يوفر مساحة مهمة للتجريب السينمائي، ويسهم في بناء جمهور جديد، إلى جانب دوره في اكتشاف أصوات ومواهب شابة تخوض تجاربها الأولى في عالم السينما، معتبرة أن هذه العوامل مجتمعة عززت حضور الفيلم القصير في المشهد السينمائي المعاصر. في المقابل، شددت الخاجة على أن الفيلم الطويل سيظل الشكل الأعمق للتعبير السينمائي، بما يتيحه من إمكانات أوسع لبناء العوالم السردية وتطوير الشخصيات، مؤكدةً أن العلاقة بين الفيلمين القصير والطويل هي علاقة تكامل لا تنافس، تعكس تنوع الوسائط وقدرة السينما على مواكبة التحولات التقنية والثقافية الراهنة.

نتاج حضاري

وأشارت بثينة كاظم، مؤسِّسة «سينما عقيل»، إلى أن الحراك المتصاعد الذي تشهده الأفلام القصيرة في الآونة الأخيرة لا يعدو كونه تطوراً طبيعياً لمكانة هذا النوع السينمائي الأصيل، مؤكدةً أن السينما، بمختلف قوالبها، تظل عصية على الاندثار أمام موجات المحتوى السريع.

وفي حديثها عن تأثير ثقافة المقاطع القصيرة ومنصات التواصل الاجتماعي في ذائقة الجمهور، أوضحت أن ما يُعرف بـ«نقص مدى الانتباه» قد يكون واقعاً ملموساً، لكنه لا يلغي حيز السينما.

وقالت: «السينما هي السينما في نهاية المطاف، سواء كانت طويلة، أو قصيرة، أو روائية، أو وثائقية؛ فلكل منها مساحتها الخاصة التي لا يمكن الاستغناء عنها». ورأت كاظم أن الأفلام القصيرة ليست ظاهرة مستحدثة ارتبطت بالمنصات الرقمية، بل هي موجودة منذ بدايات السينما.

ومع ذلك، لفتت إلى أن المتغير الحقيقي يكمن في الاهتمام المؤسسي، إذ بات مخرجو الأفلام القصيرة اليوم يجدون فرصاً للتمويل والانتشار عبر منصات البث الرقمي والمبادرات المؤسسية، وهو ما لم يكن متاحاً في السابق. وفي مقارنة تحليلية، شبهت بثينة كاظم العلاقة بين الفيلم القصير والطويل بالعلاقة بين المقال الصحفي والكتاب؛ فكلاهما يكمل الآخر ولا يعوّضه.