في كوريا الجنوبية، لم تعد عمليات التجميل تقتصر على شد الوجه أو تعديل الأنف والفكين، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر دقة وغرابة، مع ظهور صيحات تجميلية متغيرة باستمرار تستهدف تفاصيل صغيرة في الوجه والجسد.
أحدث هذه الصيحات ما يُعرف بـ"آذان الجان" أو (Elf Ears)، وهي تقنية تعتمد على حقن مواد مالئة في الأذن لجعلها أكثر بروزاً، بهدف إعطاء إيحاء بوجه أصغر وأكثر شباباً، وهو معيار جمالي يحظى بشعبية كبيرة في شرق آسيا.
وتحوّل هذا الاتجاه بسرعة من موضة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى نشاط اقتصادي فعلي داخل عيادات التجميل في سيؤول، حيث أفادت تقارير بأن بعض الأطباء يجرون ما يصل إلى 20 عملية يومياً لهذا النوع من الحقن، في وقت ارتفعت فيه عمليات البحث عن "فيلر الأذن" بنسبة 1200% على منصات التجميل الكورية خلال العام الماضي.
من الجمال التقليدي إلى "صيحات دقيقة" جديدة
هذه الصيحات الجديدة ليست مجرد ظواهر اجتماعية، بل جزء من اقتصاد عالمي ضخم يشهد نمواً متسارعاً.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن سوق جراحات التجميل العالمي بلغ نحو 59 مليار دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى أكثر من 83 مليار دولار بحلول 2034.
وفي تقديرات أكثر توسعاً، تشير دراسات أخرى إلى إمكانية وصول السوق إلى نحو 170 مليار دولار عالمياً بحلول 2035، مدفوعاً بالنمو الكبير في الإجراءات غير الجراحية مثل البوتوكس والفيلر وتقنيات نحت الوجه.
أما كوريا الجنوبية، التي تُعد اليوم عاصمة عالمية لعمليات التجميل، فيُتوقع أن يرتفع حجم سوق التجميل فيها من نحو 2.9 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 12 مليار دولار خلال العقد المقبل، بمعدلات نمو تتجاوز 17% سنوياً.
"وادي السيليكون" للجمال
اللافت أن كوريا الجنوبية لم تعد فقط مركزاً للعمليات التقليدية، بل أصبحت مختبراً عالمياً لاتجاهات الجمال الجديدة، ففي حي "غانغنام" الشهير في سيؤول، المعروف باسم (Beauty Belt)، تنتشر آلاف العيادات التي تقدم أحدث التقنيات التجميلية، حتى بات عدد عيادات التجميل في المنطقة يفوق ما يوجد في مدن مثل لوس أنجلوس وميامي وريو دي جانيرو مجتمعة، وفق تقرير "وول ستريت جورنال".
ويرى خبراء أن قوة الصناعة الكورية تعود إلى المزج بين التكنولوجيا المتقدمة وثقافة "الكاي بيوتي" وتأثير نجوم الدراما الكورية، الذين باتوا يصدرون معايير الجمال إلى العالم.
كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع دورة الموضات التجميلية، حيث يمكن لاتجاه صغير مثل" فيلر الآذن"، يتحول إلى صناعة خلال أشهر قليلة فقط.
السياحة العلاجية تدفع النمو
اقتصاد التجميل الكوري يعتمد أيضاً بشكل متزايد على السياحة الطبية، ووفق بيانات حكومية كورية، زار أكثر من مليوني أجنبي كوريا الجنوبية في 2025 بغرض العلاج أو الإجراءات التجميلية، وكان نحو ثلاثة أرباعهم يبحثون عن خدمات مرتبطة بالبشرة أو الجراحات التجميلية.
وتشير تقديرات إلى أن متوسط إنفاق السائح الطبي الأجنبي في كوريا الجنوبية يتجاوز 2500 دولار للفرد، فيما تمثل الصين وجنوب شرق آسيا والأسواق الخليجية أبرز مصادر الطلب الخارجي.
لماذا تظهر صيحات جديدة باستمرار؟
السبب الاقتصادي وراء ظهور اتجاهات جديدة باستمرار يعود إلى شدة المنافسة داخل القطاع، فمع تشبع السوق التقليدية مثل عمليات الجفون والأنف والفكين، بدأت العيادات تبحث عن "مناطق نمو" جديدة يمكن تحويلها إلى خدمات قابلة للبيع.
ويؤكد باحثون في مجال الجمال أن صناعة التجميل الحديثة تعتمد على خلق احتياجات تجميلية متجددة باستمرار، بدءاً من الفك والبشرة الزجاجية، وصولاً إلى آذان الجان وحقن الرقبة وتعديل شكل الابتسامة.
كما أن التحول نحو الإجراءات السريعة وغير الجراحية شجع انتشار هذه الصيحات، إذ أصبحت بعض العمليات تستغرق أقل من 15 دقيقة وبتكلفة منخفضة نسبياً، ما يجعلها أقرب إلى خدمات تجميل يومية وليست عمليات كبرى كما كان الحال سابقاً.
الجمال كاستثمار شخصي
التغير اللافت عالمياً يتمثل في تحول التجميل من ترف إلى ما يشبه الاستثمار الشخصي المرتبط بالصورة المهنية والاجتماعية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الجيل الأصغر أصبح أكثر انفتاحاً تجاه التجميل، مع تراجع الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعمليات التجميلية، خاصة بعد الجائحة.
وفي كوريا الجنوبية تحديداً، يرى بعض الشباب أن المظهر الخارجي يمكن أن يؤثر في فرص العمل والحياة الاجتماعية، وهو ما ساهم في جعل التجميل جزءاً من الثقافة اليومية والاقتصاد الاستهلاكي في آن واحد.
سوق لا يتوقف عن الابتكار
ومع دخول الذكاء الاصطناعي وتقنيات تحليل الوجه والتخصيص الرقمي للعلاجات، تبدو صناعة التجميل مرشحة لمزيد من التوسع والتعقيد خلال السنوات المقبلة.
وبينما قد تبدو صيحات مثل "آذان الجان" غريبة للبعض، فإنها تعكس واقعاً اقتصادياً جديداً: سوق عالمية للجمال لا تتوقف عن ابتكار معايير جديدة يمكن تحويلها إلى مليارات الدولارات.