يضم أكثر من 633 معلماً أثرياً و17 قرية تكشف فصولاً من الحياة القديمة في المنطقة
تمتلك دبي رصيداً غنياً من المواقع الأثرية التي تمثل شواهد مهمة على تاريخها وعمقها الحضاري، وتوثق مراحل مختلفة من حياة المجتمعات التي عاشت على أرضها وعلاقاتها بالمناطق والثقافات المحيطة بها. وتولي هيئة الثقافة والفنون في دبي (دبي للثقافة) اهتماماً كبيراً بهذه المواقع لما تحمله من قيمة ثقافية ومعرفية، وتعمل على توثيقها عبر تنفيذ أعمال المسح والتنقيب والبحث فيها بالتعاون مع بعثات متخصصة، إلى جانب صون معالمها والحفاظ على إرثها، بما يضمن استمراريتها وتعريف الأجيال بها، ويسهم في تعزيز مكانة دبي على خريطة التراث العالمي.
ويمثل «موقع سهيلة الأثري» الواقع أسفل سفوح جبال الحجر في منطقة حتّا أحد أبرز هذه المواقع، حيث يروي قصة مجتمع استطاع التكيف مع البيئة الجبلية والاستفادة من مواردها، وتكشف مكوناته عن ملامح الحياة في المنطقة خلال العصر الإسلامي المتأخر. وقد وثقت «دبي للثقافة» الموقع من خلال أعمال المسح الأثري التي أجرتها بين عامي 2021 و2026.
ويضم الموقع 17 قرية سكنية وأكثر من 633 معلماً أثرياً، تتنوع بين البيوت والمدرجات الزراعية والمساجد وآبار المياه وأبراج المراقبة وغيرها، كما كشفت أعمال المسح والتنقيب عن بقايا أوانٍ فخارية، وأدوات حجرية، وقطع وعملات معدنية، وحلي وأدوات للاستخدام اليومي، والتي شكلت دلائل مهمة على أنشطة السكان وطريقة معيشتهم وصلاتهم التجارية، وأسهمت في التعرف إلى تفاصيل المجتمع الذي عاش في المنطقة آنذاك.
وتكشف قطع الفخار المكتشفة في «موقع سهيلة الأثري» عن اتساع نطاق التواصل بين سكان المنطقة ومحيطهم؛ فقد ضمت أواني مصنوعة محلياً، إلى جانب بقايا جرار مستوردة من منطقة جلفار في رأس الخيمة وسلطنة عُمان، ما يشير إلى ارتباط أهالي المنطقة بمراكز صناعة الفخار في جلفار ومدينة بهلاء العمانية، فضلاً عن اتصالات غير مباشرة امتدت إلى اليمن وبلاد فارس وشرق آسيا والصين. كما تمثل الأدوات المعدنية والحجرية المكتشفة في الموقع دليلاً على الأنشطة التي مارسها السكان في حياتهم اليومية؛ إذ وُجد العديد منها داخل أفنية البيوت أو بالقرب منها، ما يشير إلى ارتباطها بالأعمال المنزلية وشؤون المعيشة.
وتقدم العملات التي اكتُشفت في «موقع سهيلة الأثري» مؤشرات على النشاط الاقتصادي والتجاري في المنطقة؛ فقد ضمت المكتشفات عملات محلية وأخرى أجنبية،. وتكشف هذه العملات عن التبادل التجاري، وصلات المجتمعات الجبلية بشبكات تجارية أوسع امتدت إلى الهند ومناطق أخرى في آسيا وأوروبا. كما تشير الأصداف البحرية المكتشفة في الموقع إلى وجود صلات مع المناطق الساحلية.
وتسهم دراسة الفخار ونتائج التأريخ بالكربون 14 المشع والعملات في تحديد الفترات التي عاش فيها السكان في «موقع سهيلة الأثري»، وتشير إلى أن الموقع شهد نشاطاً بشرياً كثيفاً من القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين، بينما تشير بعض المكتشفات إلى احتمال وجود نشاط بشري في أجزاء منه خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.. كما يرجح الباحثون أن بعض القرى كانت تُستخدم موسمياً أو لفترات محدودة، خصوصاً خلال فصل الشتاء، حيث ارتبطت حياة سكانها بالرعي والزراعة الموسمية وجمع العسل.
ويبرز موقعا «سهيلة 1» و«سهيلة 2» طبيعة هذه التجمعات؛ فيضم الأول مسجداً وعدداً من المباني السكنية، فيما يشتمل الثاني على البيوت والمسجد ونبعاً للمياه ومقابر ومدرجات زراعية تتركز في وادٍ عميق نسبياً. وفي هذا السياق، تكشف المعالم المعمارية عن أسلوب عيش السكان؛ فقد تنوعت البيوت بين وحدات سكنية صغيرة تتألف من غرفة واحدة، وأخرى أكبر تضم عدداً من الغرف والأفنية المكشوفة، وشُيّد بعضها جزئياً تحت مستوى سطح الأرض للحماية والمساعدة في تنظيم درجات الحرارة. كما ضمت التجمعات أكواخاً وأسواراً للحماية، واستخدم السكان الحجارة المحلية في تشييد جدران مرصوصة دون ملاط. وتشير الأبحاث والدراسات إلى أن هذه المساكن والأكواخ كانت تغطى بأسقف مختلفة الأشكال مصنوعة من الأخشاب وفروع الأشجار، فيما استخدمت الأفنية في ممارسة الأنشطة اليومية، وهو ما يوضح ارتباط أساليب البناء بالبيئة المحلية والمواد المتاحة فيها.
وشكلت المياه عنصراً أساسياً في حياة سكان «سهيلة»، واعتمدوا في توفيرها على مياه الأمطار الموسمية التي تجري في شبكة الأودية المنتشرة في جبال حتّا، إلى جانب الينابيع الطبيعية، وأنشأوا سدوداً لتجميع مياه الأمطار وحفروا آباراً عُرفت محلياً باسم «الطوي» للاستفادة منها خلال فترات الجفاف. كما استفادوا من هذه المصادر في الزراعة، وشيدوا مدرجات أسفل سفوح الجبال لزراعة النباتات الموسمية، واعتمدوا في ريها على قنوات صُممت لإيصال المياه إليها والمحافظة عليها، ما يكشف عن أساليب إدارة المياه والزراعة التي اتبعها سكان المنطقة.