كانت أوروبا تحب أن تقول عن نفسها إنها تعرف كيف تعيش من غير مكيف. بيوت قديمة بجدران سميكة، نوافذ مفتوحة على المساء، مقاهٍ في الظل، ومروحة صغيرة تكفي لعبور أيام قليلة من الحر. وكان التكييف، في المخيلة الأوروبية، شيئاً أمريكياً أكثر مما ينبغي: ضجيجاً كهربائياً، وبرودة مصطنعة، وإسرافاً لا يليق بقارة تتحدث كثيراً عن المناخ.
هذا العام تغير الصيف، لم يعد الحر زائراً عابراً يأتي في يوليو ويرحل، صار يقيم. يدخل البيوت التي بنيت لتحتفظ بالدفء، ويصعد إلى غرف المسنين.
وفقاً لـ«ذا أتلانتك»، فإن أوروبا تمر بما يمكن وصفه بلحظة تصالح متأخرة مع التكييف، بعدما جعلت موجات الحر المتكررة كثيرين في شمال القارة ووسطها يعيدون النظر في فكرة قديمة كانت ترى التبريد رفاهية أكثر منه ضرورة. وتوضح المجلة أن المباني الأوروبية لم تصمم غالباً للتعامل مع صيف طويل وحار، وأن الطلب المتزايد على أجهزة التبريد يكشف فجوة كبيرة بين مناخ الأمس ومناخ اليوم.
قارة تسخن
القضية لا تبدأ من جهاز يعلق على الجدار، تبدأ من قارة تسخن أسرع من غيرها. فوفقاً لخدمة «كوبرنيكوس» الأوروبية لتغير المناخ، تعد أوروبا أسرع قارات العالم تصاعداً في الحرارة التي ارتفعت بنحو 2.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي بأكثر من ضعف المتوسط العالمي تقريباً.
وهذا الرقم لا يبقى في التقارير وحدها. يظهر في الأرصفة، وفي غرف النوم التي لا تبرد ليلاً، وفي المدن التي تكاد تختنق حين يتوقف الهواء. خلال موجة الحر الأوروبية في يونيو 2026، أفادت تقارير صحافية بأن درجات الحرارة حطمت أرقاماً قياسية في دول عدة، وأن أكثر من 1300 وفاة زائدة سجلت في أوروبا منذ 21 يونيو، وفق ما نقلته تقارير عن منظمة الصحة العالمية.
وفي فرنسا وحدها، ذكرت «الغارديان» أن الوفيات ارتفعت 29.1 في المئة خلال أكثر أسابيع موجة الحر سخونة، بما يعادل نحو 2025 وفاة إضافية مقارنة بالأسبوع السابق، وكانت باريس من أكثر المناطق تضرراً، إذ زادت الوفيات فيها 62 في المئة.
بيت حار
المشكلة أن أوروبا لم تبنِ نفسها لهذا النوع من الصيف. بيوت كثيرة صممت لتقاوم الشتاء، لا لتطرد الحر. الجدران تحفظ الدفء، النوافذ لا تسمح دائماً بتيار هواء كافٍ، والمدن التاريخية لا تتسع بسهولة لتعديلات خارجية على الواجهات. ما كان ميزة في يناير صار عبئاً في يونيو.
وفقاً لـ«يورونيوز»، فإن نحو 20 في المئة فقط من المنازل الأوروبية لديها تكييف، كما أن كثيراً من المساكن بنيت للاحتفاظ بالحرارة لا للتخلص منها. وبحسب «مجموعة بوسطن الاستشارية»، فإن هذه النسبة تقارن بنحو 90 في المئة من المنازل الأمريكية التي تمتلك أجهزة تكييف، ما يوضح عمق الفجوة الثقافية والعملية بين ضفتي الأطلسي.
حرب باردة
لهذا تحولت أجهزة التكييف إلى ما يشبه حرباً ثقافية صغيرة. في الولايات المتحدة، يبدو التكييف جزءاً من الحياة اليومية، كالماء والكهرباء. وفي أوروبا، بقي طويلاً موضع ريبة: جهازاً قبيحاً على الواجهة، ومصدراً لاستهلاك الطاقة، وعلامة على استسلام المدينة للحر بدلاً من إصلاح أسباب الاحترار.
وفقاً لـ«فوكس»، صار التكييف في أوروبا جزءاً من جدل عابر للأطلسي، بين من يراه ضرورة صحية أمام موجات حر قاتلة، ومن يخاف أن يؤدي انتشاره إلى زيادة استهلاك الكهرباء والانبعاثات إذا لم يأتِ ضمن سياسات كفاءة وطاقة نظيفة. وتشير «فوكس» إلى أن نحو 90 في المئة من الأسر الأمريكية لديها تكييف، في مقابل نحو 20 في المئة في أوروبا.
والحقيقة أن الفريقين يحملان جزءاً من الصواب. التكييف قد ينقذ الأرواح، خصوصاً أرواح كبار السن والمرضى والعاملين في أماكن مغلقة. لكنه إذا انتشر من غير تخطيط، ومع أجهزة رديئة الكفاءة وشبكات كهرباء ضعيفة، قد يضيف حملاً جديداً إلى نظام يئن أصلاً في أيام الحر.
رقم الطاقة
بحسب وكالة الطاقة الدولية، يمثل استخدام المكيفات والمراوح للتبريد نحو 20 في المئة من إجمالي الكهرباء المستهلكة في المباني حول العالم، وتؤكد الوكالة أن الطلب على التبريد سيواصل النمو لعقود إذا لم تتدخل السياسات لتحسين كفاءة الأجهزة وإدارة الاستهلاك.
ووفقاً لتقرير منشور على منصة «بي يو آي إل دي أب» التابعة للمفوضية الأوروبية، فإن عدد وحدات التكييف في أوروبا تضاعف أكثر من مرة منذ 1990، مع توقع تضاعف التركيبات السكنية عدة مرات بحلول 2050، خصوصاً بين الأسر الأعلى دخلاً. هذا يعني أن أوروبا ستشتري المكيفات، سواء أحبت الخطاب البيئي أم لا.