في مدينة لا تنام، حيث تُقاس العظمة بناطحات السحاب، رُفع الستار أمس عن "صك ملكية" من نوع خاص؛ لافتة شارع تحمل اسم "جاك كيربي"، العقل الذي طوّع الحبر والورق ليخلق إمبراطورية عابرة للقارات.

هنا، في "الجانب الشرقي السفلي" بمانهاتن، وتحديداً في المربع السكني الواقع بشارع "إيسيكس" بين شارعي "ديلانسي" و"ريفينجتون"، توثق هذه اللافتة سطوة "ملك" لم يرتدِ تاجاً، بل صنع أساطير تضخ اليوم في شريان الاقتصاد العالمي أكثر من 35.2 مليار دولار.

وُلد جاك كيربي عام 1917 باسم "جاكوب كيرتزبرغ" لأبوين من المهاجرين اليهود في "لوير إيست سايد" بنيويورك.

نشأ في بيئة كادحة بشارع "ديلانسي"، وهي المنطقة التي استلهم منها لاحقاً "شارع يانسي" الخيالي، لقد كان كيربي يرى مدينته كمنبع للإلهام؛ فصمم "مبنى باكستر" (مقر الفانتاستيك فور) محاكاةً لناطحات سحاب مانهاتن في منتصف القرن.

لم تكن تلك الرسوم مجرد فن، بل كانت انعكاساً لهويته كابن للمهاجرين الذين صاغوا ملامح هذا الفن، وهو ما توج اليوم بإطلاق اسمه على الشارع تقديراً لإرثه التاريخي.

المشهد الأول: نيويورك.. الحاضنة الأولى للأساطير

وجدت القصص المصورة جمهوراً عريضاً في نيويورك منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدءاً من الشرائط الصحفية المبكرة مثل "الطفل الأصفر" و"أبي العميل" وصولاً إلى "أني اليتيمة الصغيرة".

وفي لحظة تاريخية فارقة صيف عام 1945، ومع إضراب عمال توزيع الصحف في المدينة، تدخل العمدة "فيوريلو لاغوارديا" ليقرأ شرائط الكوميكس عبر الراديو بحماس منقطع النظير.

ولم تكن المجلات بشكلها الحالي لتوجد لولا ابتكار "ماكس جينز" (المولود باسم ماكسويل جينزبيرغ)، بائع الورق النيويوركي الذي جمع تلك الشرائط في كتيبات رخيصة الثمن، مبتكراً بذلك تنسيق "الكوميكس" المعتمد على الدبابيس (الخياطة المسرجة)، والذي أصبح الوعاء الرسمي لقصص الأبطال الخارقين. ومع صعود هذا النوع الأدبي أواخر الثلاثينيات، ظهر ناشرون مثل هاري دونينفيلد وجاك ليبويتز، الذين أسسوا ما عُرف لاحقاً بـ "دي سي كوميكس".

المشهد الثاني: المدينة كـ "منبر" للإلهام

في عالم كيربي، لم تكن نيويورك مجرد خلفية؛ ففريق "الفانتاستيك فور" أدار عملياته من "مبنى باكستر" في مانهاتن، والذي صممه كيربي محاكاةً لناطحات سحاب المدينة في منتصف القرن. استلهم كيربي شخصية "بن غريم" (The Thing) من تفاصيل حياته ونشأته في الطبقة العاملة بشارع "ديلانسي"، الزقاق الغني بالتاريخ اليهودي والقريب من "كاتز ديلي".

وحتى الشخصيات التي وُلدت خارج نيويورك، مثل "سوبرمان" و"باتمان"، كانت في جوهرها قصصاً نيويوركية؛ فمدينة "متروبوليس" هي الوجه المتفائل لنيويورك، حيث يظهر تمثال الحرية في مينائها.

بينما "غوثام"، مدينة باتمان، هي وجهها القاتم الذي يعكس هندسة وجسور المدينة من منظور أكثر حدة. وقد ساهم في تشكيل هذا الفن رواد من أبناء المهاجرين اليهود في نيويورك، مثل ستان لي، لاري ليبر، وويل إيسنر.

المشهد الثالث: البطل الذي هزمه الضعف فصنع المليارات

أحد أكثر شخصيات كيربي أيقونية هو "ستيف روجرز" (كابتن أمريكا)، اليتيم الفقير من بروكلين الذي تحول إلى جندي خارق بعد حقنه بمصل "المشروع ولادة جديدة".

قصة تحوله من "ضعيف" إلى "بطل" خاطبت وجدان الشباب الذين واجهوا صوراً نمطية سلبية، وأصبح اليوم جزءاً من تاريخ المدينة بتمثال في بروكلين كُشف عنه عام 2016 ونُقش عليه: "أنا مجرد طفل من بروكلين".

وتوضح تقارير الأداء المالي أن هذا الخيال أسس لـ "عالم مارفل السينمائي" الذي حقق وحده 32.3 مليار دولار في شباك التذاكر.

ومع بلوغ سوق الكوميكس العالمي 18.6 مليار دولار، أصبحت هذه الرسوم أصولاً استثمارية صلبة؛ حيث بيعت نسخة "كابتن أمريكا" رقم (1) بمبلغ 3.12 مليون دولار.

لم تكن إنجازات جاك كيربي مجرد رسوم عابرة، بل كانت إعادة صياغة للميثولوجيا الحديثة؛ فبصمته كـ "معمارى لكون مارفل" رفقة ستان لي وضعت حجر الأساس لإمبراطورية اقتصادية تُقدر اليوم بمليارات الدولارات.

امتدت عبقريته لتشمل ابتكار شخصيات غيرت وجه الثقافة الشعبية مثل "ثور"، "هالك"، و"إكس من"، وصولاً إلى ابتكار "النمر الأسود" عام 1966 الذي حطم الحواجز العرقية والاقتصادية بإيرادات بلغت 1.34 مليار دولار.

وفي عام 1994، ترجل "الملك" عن عرشه عن عمر ناهز 76 عاماً، تاركاً خلفه أكثر من 10 آلاف صفحة من الرسوم الأصلية التي تحولت اليوم إلى "أصول ذهبية" تُباع في المزادات العالمية بملايين الدولارات.

رحل كيربي جسداً، لكن لافتة "طريق جاك كيربي" اليوم في مانهاتن تثبت أن أساطيره لا تزال تضخ الحياة والنفوذ في قلب الاقتصاد العالمي.

توضح الباحثة "ميريام إيف مورا" أن كيربي جسد "قصة النجاح الأمريكية"، حيث رفع إرثه الدخل التشغيلي لشركة "ديزني" إلى 8.32 مليار دولار. اليوم، لافتة "طريق جاك كيربي" في شارع "ديلانسي" ليست مجرد تكريم لفنان أسطوري، بل هي اعتراف بالمبتكرين المهاجرين الذين شكلوا ملامح هذا الفن؛ فبقدر ما تدين هذه الصناعة لنيويورك، تدين نيويورك للأساطير التي وُلدت في أزقتها.