أتراكتا موني

شهدت غرينلاند في يناير درجات حرارة قياسية للبحر، وانخفاضاً في الجليد البحري. وتبع ذلك ارتفاع في درجات حرارة الهواء في القطب الشمالي، لتصل إلى 15 درجة مئوية فوق المعدل في بعض بقاع المنطقة، ما دفع الخبراء إلى التحذير من تداعيات أمنية متشعبة.

وصرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الشهر الماضي، بأن الولايات المتحدة ترغب في السيطرة على غرينلاند الغنية بالمعادن «لأسباب تتعلق بالأمن القومي». ويأتي هذا التهديد، في ظل انخفاض الغطاء الجليدي الذي يُتيح إمكانية إنشاء المزيد من الطرق البحرية في منطقة القطب الشمالي، ويُسهّل بذلك الوصول إلى معادنها الحيوية.

ووجدت أحدث البيانات الصادرة عن وكالة كوبرنيكوس التابعة للاتحاد الأوروبي لمراقبة الأرض، أن متوسط امتداد الجليد البحري في القطب الشمالي في يناير، كان أقل من المعدل الطبيعي بنسبة 5.5 %، وهو ثالث أدنى مستوى مُسجل خلال 48 عاماً من عمليات الرصد بالأقمار الصناعية.

وقال جون ميثفن، أستاذ ديناميكيات الغلاف الجوي في جامعة ريدينغ، إن درجات الحرارة «الدافئة بشكل غير معتاد» في حوض القطب الشمالي في يناير، والتي ساهمت في انخفاض تركيزات الجليد البحري في بعض المناطق، لها تداعيات جيوسياسية.

وأوضح: «مع استمرار انحسار الجليد البحري في القطب الشمالي، تبقى طرق الشحن حول المحيط المتجمد الشمالي خالية من الجليد لفترات أطول، على الجانبين الكندي والروسي. ويؤدي ذلك إلى جذب المزيد من الأنشطة البشرية في المنطقة، بما في ذلك العمليات العسكرية والشحن التجاري.

وأضاف أن ذوبان الجليد له أيضاً «تداعيات أمنية هامة»، مشيراً إلى أن الجليد البحري السميك ساعد كثيراً في إخفاء الغواصات لعقود. وقال: «مع ترققه وانحساره، يصبح من الصعب إخفاء السفن الحربية. وهذا يغير المشهد الاستراتيجي في القطب الشمالي».

وأفاد مركز كوبرنيكوس بأن تركيزات الجليد البحري كانت أقل بكثير من المتوسط في خليج بافن، وبين جزيرة بافن والساحل الغربي لجرينلاند، وشمال بحر بارنتس، بما في ذلك ما بين سفالبارد وفرانز جوزيف لاند، وبحر لابرادور بين جرينلاند وكندا.

في الوقت نفسه، سجلت أجزاء من شمال شرق المحيط الأطلسي، بما في ذلك بحر النرويج - الممتد من النرويج إلى أقصى جنوب آيسلندا وغرينلاند - بالإضافة إلى المنطقة باتجاه إسكتلندا، أعلى درجة حرارة لسطح البحر على الإطلاق في شهر يناير.

حيث تجاوزت المتوسط بمقدار درجة مئوية واحدة للفترة المرجعية 1991 - 2020. وأشار جوليان نيكولاس، كبير علماء المناخ في فريق كوبرنيكوس للاستخبارات المناخية، إلى أن شهر يناير أظهر «تبايناً حاداً» في أنماط درجات الحرارة عالمياً.

وبينما كانت أجزاء من أمريكا الشمالية وشمال أوروبا وسيبيريا أبرد بكثير من المتوسط، فإن متوسط درجة الحرارة اليومية حول خليج بافن وبحر بارنتس وسفالبارد «تجاوز في كثير من الأحيان 15 درجة مئوية فوق المتوسط»، على حد قوله.

وعلى الرغم من انخفاض كمية الجليد عن المعتاد في أجزاء من القطب الشمالي، ذكر برنامج كوبرنيكوس أن خليج هدسون، قبالة الساحل الشمالي الشرقي لكندا، كان مغطى بالجليد بالكامل في يناير، بعد تأخر تجمده بشكل ملحوظ في ديسمبر. كما تشكل غطاء جليدي أعلى من المتوسط في بحر غرينلاند، المسطح المائي الواقع شرق غرينلاند.

وقال فرانسوا جيمين، الخبير في الجغرافيا السياسية البيئية وتغير المناخ، والأستاذ في كلية إدارة الأعمال «إتش إي سي باريس»، إن التداعيات الأمنية على المنطقة ستشمل زيادة في النقل البحري، لكنه يعتقد أنه من غير المرجح أن تصبح غرينلاند جزءاً من طرق الشحن الرئيسة في المستقبل.

وأضاف جيمين: «على المدى البعيد، نعم.. سيكون لارتفاع درجات الحرارة تأثير سلبي في الأمن، حيث سيؤدي ذلك إلى ذوبان الغطاء الجليدي، وبالتالي، تسهيل عمليات التنقيب عن النفط والغاز والمعادن النادرة والمعادن الحيوية.

وعلى المدى القريب، ما لم تكن الولايات المتحدة تخطط بالفعل لغزو وشيك، فسيكون التأثير محدوداً. لكنه سيجعل غرينلاند أكثر سهولة في الوصول إليها».

عموماً، كان شهر يناير الماضي خامس أدفء شهر تم تسجيله على الإطلاق، حيث بلغت درجات الحرارة 1.47 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل الثورة الصناعية، على الرغم من أن أجزاءً من العالم شهدت موجة برد قارس. ويعتقد العلماء أن الظواهر الجوية المتطرفة تتفاقم بفعل التحولات المناخية المرتبطة بالاحتباس الحراري.

وقالت سامانثا بورغيس، المسؤولة الاستراتيجية عن المناخ في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى: شهر يناير 2026 مثال واضح لما قد يشهده النظام المناخي حالياً من طقس شديد البرودة في منطقة ما، وحرارة شديدة في منطقة أخرى في آن واحد.