بعض بيوت عشرينيات القرن الماضي ما زالت صامدة في محلّة الأشرفية في بيروت.. تقف هناك، وهي على أبواب مئويتها، وتنتظر أن تُخلّد، وخشيتها الأولى من الزمن.. أما خشيتها الأكبر، فمن أبراج تحجب عنها السماء والحياة.. وتبقى واحدة من سبل تخليدها، صور تحملها إلى عيون الغد. والصور أتت ضمن مسابقة تصوير فوتوغرافية دولية خاصّة بمنطقة الأشرفية، نظّمتها شركة سبريدمايندز، تحت عنوان موزاييك، كتعبير عن الفسيفساء التي تتشكّل منها المنطقة.. علماً أن هذه المسابقة فتحت أبوابها للمصوّرين المحترفين والهواة والشباب، ودعتهم ليتعرفوا على المنطقة عن كثب، كما يقول المدير التنفيذي للشركة المنظّمة محمد بدر: «وجّهنا إليهم الدعوة ليصوّروا المنطقة ويلامسوها عن قرب، لينزعوا عنها الصور المنمّطة، وخصوصاً أنها تبدو بمركزيتها كمدينة قائمة بحدّ ذاتها، وهي في الوقت نفسه تشبه شيئاً من القرية».

شوارع ومناطق عديدة

وكانت موزاييك انطلقت في شهر نوفمبر الفائت، وفتحت أبواب الاشتراك فيها حتى العاشر من ديسمبر الفائت، واستهدفت عشرات الشوارع والأزقّة والأحياء المنضوية في منطقة الأشرفية: شارع الجمّيزة ذو الطابع التراثي، بأمسياته التي «لا تنام»، شارع مونو بوجهه النهاري التربوي المتمثّل بحرم «هوفلان» التابع لجامعة القديس يوسف وبصخب سهر لياليه، منطقة السوديكو بما تختزنه من أعباء خطّ تماس الحرب الأهلية الأليمة (‬1975- ‬1990)، مبنى بركات، حيّ السراسقة بأناقته وسكونه وأسراره، حيّ بيضون، حديقة السيوفي، ساحة ساسين، منطقة أوتيل ديو، الجزيرة الفرنسية، كليّات جامعة القديس يوسف، ملعب ستاد دو شايلا، السفارة الفرنسية، المركز الثقافي الفرنسي، بالإضافة إلى حيّ البرجاوي وحيّ السريان، فكرم الزيتون، الجعيتاوي، مار مخايل، ومار نقولا.

والحصيلة كانت مئتي صورة تنطق بيوميات وقصص الناس ووجوه كبار محلّة الأشرفية في بيروت، توزّعت، الثلاثاء الماضي (‬28 ديسمبر)، على عشرة معارض افتتحت في مواقع مختلفة من هذه المنطقة، وتستمر حتى ‬20 يناير ‬2011، الموعد الذي ينظّم فيه المركز الثقافي الفرنسي في بيروت معرضاً خاصاً بصور هذا المشروع.

تحكي صور تلك المعارض عن مكونات الحياة في الأشرفية: الأبواب العتيقة، النوافذ الخشبية المهترئة، وتلك المجدّدة، القناطر الثلاثية، الشرفات المستديرة، الأزقة المظلّلة بالأشجار.. كلها. وأيضا هناك البيوت القديمة، وأخرى تراثية هربت من فورة العمران العشوائي، وأبراج سكانية وتجارية «صمّاء» تخرق النسيج العمراني لأحياء الأشرفية وتمزّق تجانسها. كذلك، تحكي الصور عن روح للشوارع تصنعها يوميّات ناسها.