بين اقتحام الدبابات الاسرائيلية رام الله فجر الجمعة وخروج عرفات من تحت أنقاض مكتبه لم يكن العالم العربي يملك ـ في أفضل حالاته ـ غير التمني. تلك هي الفاجعة إذ هي الهزيمة في أحد أسوأ أشكالها. تلك جمعة حزينة وحالكة فوق العادة في الرزنامة العربية المعاصرة إذ تتشح بالعجز الفاضح من الماء إلى الماء، فلم يكن اجتياح الدبابات الاسرائيلية مدينة فلسطينية مصدر تلك القتامة، كما لم يكن توغل جنود الاحتلال في دم الفلسطينيين العزل مبعث ذلك الشعور، فذاك وهذا شأن بات مألوفاً بشكل خاص في غضون الثمانية عشر شهراً الأخيرة. ولم يكن استهداف حياة عرفات محور ذلك الحزن فذلك قدر مناضل دأب على مواجهته بشجاعة، ولكن عصب الأزمة احساس عارم بالقهر نهش كل فرد من الأمة من المحيط إلى الخليج. فلم تكن رام الله وحدها التي سقطت مجدداً تحت الاحتلال بل كل الوطن العربي كان أسيراً لعجز فادح ولم تكن حملات الاذلال الاسرائيلية استهدفت سكان المدينة العزل الذين تعرضوا لاعتقالات جماعية بل كل العواصم العربية باتت أسيرة للقعود المسف. ربما كان شارون مدركاً للواقع العربي عندما قال وهو يطلق العنان لدباباته في رام الله ان حربه المعلنة لا تعرف حدوداً جغرافية. فكأنما فوهات المدافع الاسرائيلية كانت عالقة فوق جميع العرب. من المؤكد ان عملية نتانيا كانت الكوة التي أعادت فتح باب الجحيم غير ان شارون يدرك أكثر من غيره ان حربه المعلنة لن تضع نهاية للعمليات الاستشهادية بل كان يعبر عن أزمته المستحكمة بفعل اخفاق مشروع الحرب الذي يتبناه من أجل توفير الأمن الاسرائيلي. ربما كان شارون أراد كذلك الرد على قمة بيروت على طريقته الحمقاء. فكما استبعد القادة العرب السفاح الاسرائيلي من حساباتهم ـ وهم يتبنون مشروع السلام العربي للمنطقة ـ عمد شارون إلى اقصاء عرفات عن المسرح. قد يكون في التحرش الدامي الذي يمارسه الجزار الاسرائيلي مع عرفات ثأر شخصي عبر عنه السفاح بالخيبة أكثر من مرة ولكن هذه الفرضية لا تنفي حقيقة أخرى محورها ان شارون يمثل رأس رمح لتيار اسرائيلي يرفض التعايش مع دولة فلسطينية. لن يتورع شارون استناداً إلى ثأره الذاتي وتياره الاسرائيلي المتطرف في تضييق الخناق حول عرفات حد الموت جوعاً أو عطشاً في مكتبه بعدما تعرض لضغوط دولية قد تمنعه من تصفية عرفات بالنار. رغم وقاحته يتسم نتانياهو بدبلوماسية أقل بجاحة من شارون، إذ عبر عن التيار نفسه بالقول ان عرفات لم يعد مطلوباً. وفضل نتانياهو ان يركب الرئيس الفلسطيني البحر. ذلك سيناريو شارون نفسه في العام 1982، لن يجرؤ شارون على طرحه إذ انه كان يعتقد انه تخلص من عرفات عندما ركب البحر من بيروت لكنه فاجأه بالعودة إلى غزة. نتانياهو مثل شارون يعبر عن حفنة من قيادات تيار التطرف الاسرائيلي الذي يستهدف تصفية القيادة التاريخة للفلسطينيين اعتقاداً من تلك الحفنة ان تجريد الشعب الفلسطيني من قيادة عرفات ستتركه دون رأس ومن ثم اعادة القضية الفلسطينية إلى دائرة الصفر، إذ ان الفلسطينيين سينشغلون بالبحث عن القيادة البديلة وستنعكس الانقسامات الفلسطينية على حالة عربية تكتنفها التجزئة، فالعالم العربي نفسه يفتقد القيادة القومية الكاريزمية المؤثرة. من هنا يمكن تفهم اخراج شارون خطة قديمة إلى حيز التنفيذ غداة طرح العرب مشروع سلام حظي بقدر من الدعم الدولي. بهذه الخطة يركب شارون موجته الأخيرة في مغامراته الدموية فإما حملته إلى مآربه أو دفعته إلى القاع.