استأنف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الليلة الماضية قيادة مفاوضات كامب ديفيد بالضغط على رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك لتقديم تنازلات حول القدس, فيما تهدف ضغوطه على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لانتزاع قبوله بضم المستوطنات وسط انسحاب نحو 20 مفاوضا اسرائيليا والحديث عن تحديد مصير القمة خلال بضع ساعات بالتزامن مع تصريحات اسرائيلية. تقول ان باراك يعايش عذابا في عزلته وقوله انه على أبواب اتخاذ أهم القرارات المصيرية في تاريخ اسرائيل وانه حائر بين اتخاذ قرارات تمزق القلب أو الاستعداد للحرب. وقال وزير العدل الاسرائيلي يوسي بيلين ان عرفات وباراك على (شفا الاتفاق) لكن وزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي تحدث عن (وضع خطير جدا) . وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت التي وصفتها الصحافة الاسرائيلية بـ (جليسة أطفال) تتولى المفاوضات نيابة عن كلينتون قبل عودته إلى كامب ديفيد الليلة الماضية. وأعلن الناطق باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر أمس ان المفاوضات استؤنفت على مستوى مجموعات صغيرة قبل ساعات من عودة كلينتون. ورفض باوتشر التعليق على احتمالات النجاح والفشل مكررا الموقف الأمريكي بأن المفاوضين ما زالوا يبحثون بشكل جدي في كافة القضايا. وأوضح ان وزيرة الخارجية الأمريكية اصطحبت عرفات وباراك السبت في رحلتين منفصلتين إلى مزرعتها وإلى متحف للحرب الأهلية الأمريكية خارج منتجع كامب ديفيد الرئاسي. كما أعلن أمس ان عرفات وباراك نالا قسطا من الراحة والاستجمام والتنزه خارج كامب ديفيد للمرة الأولى وذلك قبيل الجولة الحاسمة. وبعد نحو يومين من العزلة نقل مقربون من باراك تشبيهه نفسه بجولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل السابقة وقال المتحدث باسمه جادي بالتيانسكي ان رئيس الوزراء الاسرائيلي على أبواب اتخاذ أكثر القرارات المصيرية في تاريخ الدولة العبرية.. هذا القرار الذي يتخذ مرة كل 50 عاما, حسب المتحدث هذا. ونقل هؤلاء المقربون ان باراك عايش عذابا قاسيا خلال العزلة وانه أبلغهم انه موزع بين خيارين: اتخاذ قرارات تمزق القلب للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين أو الاستعداد للحرب معهم. ومع عودة كلينتون لقيادة المفاوضات رجح مسئولون اسرائيليون ان يتضح مصير القمة بالانهيار أو النجاح خلال 24 ساعة من توليه المفاوضات. وقال بالتيانسكي لراديو الجيش الاسرائيلي رغم الحظر الاعلامي الذي تفرضه الولايات المتحدة على القمة (الامر لن يستغرق طويلا... سيعود الرئيس كلينتون الى كامب ديفيد... وحينئذ سنرى ما اذا كان هناك اي داع لبقائنا هنا واستمرار المحادثات ام حزم امتعتنا والعودة الى البلاد) . وقال ايلداد يانيف وهو عضو آخر في فريق العلاقات العامة المرافق لباراك في الولايات المتحدة لراديو اسرائيل (اذا حدث انفراج سيحدث بوضوح خلال وقت قصير... وحينئذ سنبقى الى ان نتوصل الى افضل اتفاق يعزز اسرائيل) . وقال المسئولون الأمريكيون ان أقصى موعد يمكن أن تمتد القمة إليه هو يوم الجمعة المقبل. وبالتزامن مع قول المقربين من باراك ان مزاجه يتسم بالقتامة والتشاؤم كشفوا انه وجه باجراء ثلاثة استطلاعات للرأي العام الاسرائيلي حول اتفاق محتمل مع الفلسطينيين يتضمن تقاسم السيطرة معهم على احياء في القدس الشرقية وان نتيجة هذه الاستطلاعات كانت التأييد بنسبة تصل إلى 65%. وصرح مسئولون اسرائيليون في وقت سابق بأن كبير موظفي مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي قرر المغادرة أمس. وقال مسئولون اسرائيليون في ساعة متأخرة من الليلة قبل الماضية ان نحو 20 خبيرا من بين أعضاء الوفد الاسرائيلي المكون من 50 فردا عادوا إلى اسرائيل بسبب عدم احراز تقدم في المفاوضات. وبقيت مجموعة من كبار المسئولين الاسرائيليين والخبراء الفنيين بالقرب من كامب ديفيد على أهبة الاستعداد للاشتراك في وضع اللمسات الأخيرة في حالة التوصل إلى اتفاق. ووصف وزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي الرافض للقمة أمس خلال زيارته خيمة للمتطرفين اليهود أضربوا فيها عن الطعام احتجاجا على الوضع بـ (الخطير جدا) . ولم يقدم ليفي, القائم بأعمال رئيس الوزراء, اي معلومات في هذا الصدد. وقال (سنعلم المزيد في هذا الشأن خلال الساعات الـ 24 المقبلة ولكننا لا نعرف حتى الوقت الراهن ما سينتج عن هذه القمة) . ويعزز احساس ليفي بالخطر ما نشرته الصحافة الاسرائيلية أمس حول ابلاغ كلينتون لباراك بضرورة تقديم تنازلات حول القدس وانه من دون هذه التنازلات لن يتم التوصل لاتفاق بالتزامن مع مطالبة الرئيس الأمريكي لعرفات بتقديم تنازلات مماثلة تتعلق بقبوله ضم أراضي مستوطنات الضفة الغربية لاسرائيل. وقال ايلداد يانيف مستشار باراك الموجود بالقرب من كامب ديفيد مع جزء من الوفد الاسرائيلي للاذاعة العبرية أمس ان (باراك ينتظر حاليا ردودا واضحة من عرفات على المقترحات التي قدمت) . وكان يانيف يشير بذلك الى مقترحات التسوية التي قدمتها الولايات المتحدة وينص احدها على (ارجاء اتخاذ قرار في شأن القدس ووضع بند في اتفاق جزئي يعلن نهاية الصراع (الاسرائيلي الفلسطيني)) (كملجأ اخير) لانقاذ القمة, بحسب مصدر مقرب من الوفد الاسرائيلي في كامب ديفيد. وفيما جددت التقارير القول ان عرفات تمسك بمقولة (لم يولد بعد القائد العربي الذي يتنازل عن القدس) قالت التقارير هذه ان الاسرائيليين خيروا الرئيس الفلسطيني بين اتفاق يعطيه السيادة الرمزية على احياء في المدينة المقدسة أو اتفاق جزئي يؤجل تحديد مصير المدينة. وقالت مصادر فلسطينية ان عرفات رفض كلا الخيارين لانهما يفرضان عليه الاختيار بين خيانة واذلال الشعب الفلسطيني وبين تأجيل اعلان الدولة المستقلة لعامين إلى حين تحديد مصير القدس. من جهته قال وزير العدل الاسرائيلي يوسي بيلين أمس انه يعتقد ان المفاوضين سيتمكنون من حل خلافاتهم بشأن القدس والتوصل إلى اتفاق. وقال بيلين للصحفيين أثناء جولة في حافلة لزيارة أحياء عربية في القدس الشرقية (من الممكن حل مشكلات القدس) . وأضاف: (انها مشكلة رمزية أكثر من أي شيء آخر) . وكرر بيلين مهندس مفاوضات السلام المستمرة منذ سبع سنوات بين اسرائيل والفلسطينيين ان باراك وعرفات (على شفا) اتفاق. وأضاف انه لن يكون هناك تنازل فيما يتعلق بوضع القدس بوصفها عاصمة اسرائيل (الموحدة والأبدية) إذا أعطى باراك الفلسطينيين السيطرة على أحياء عربية أضيفت إلى المدينة المقدسة بعد حرب عام 1967. ومضى الوزير الاسرائيلي يقول ان هناك 28 حيا عربيا من هذه الأحياء لم يحدث قط ان (دمجت بالكامل فعليا) في اسرائيل. واشنطن, القدس ـ البيان والوكالات