اشتعل الصراع مرة اخرى بين الرئيس السوداني عمر البشير وحليفه السابق رئيس البرلمان (المنحل) الدكتور حسن الترابي, الذي قطع زيارة الى قطر وعاد الى الخرطوم برفقة وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني المكلف من قبل امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتوسط بين الطرفين وجرى امس في اللحظة الاخيرة احتواء انفجار مواجهة دموية بين مناصري الرجلين خلال اجتماع حاشد في مسجد جامعة الخرطوم وجاء التصعيد الجديد في الازمة المستمرة منذ الرابع من رمضان في اعقاب قرارات اصدرها البشير امس الاول الغى بموجبها (قانون التوالي) المثير للجدل معلنا قبوله استقالة الوزراء الاتحاديين وحكومات الاقاليم الامر الذي اعتبره جناح الترابي خرقا جديدا للدستور. وسارعت الامانة العامة لحزب (المؤتمر الوطني) الحاكم الى اصدار بيان شديد اللهجة شجبت فيه هذه القرارات. وجاء في البيان الذي اصدره الدكتور علي الحاج محمد نائب الترابي في الأمانة العامة للحزب الحاكم ان القرارات الاخيرة (خطوة متسرعة وغير مدروسة وتعتبر تجاوزاً للنظام الأساسي (للائحة الحزب) ولمقررات هيئة الشورى الاخيرة) . وقال علي الحاج في بيانه ان النائب الأول للرئيس البشير, علي عثمان محمد طه ابلغه بالقرارات قبيل اعلانها بفترة وجيزة عبر الهاتف. ومضى يقول: (وبدوري ابلغته انني سأنقل هذا الامر الى اجتماع الهيئة القيادية بأعجل ما تيسر, ولكني ذكرت له ان هذا الاجراء مخالف للنظام الأساسي ومخالف للدستور وهذه ليست الطريقة التي يمكن ان يعالج بها هذا الامر) واصر علي الحاج في بيانه على ان (امر التعيينات والمحاسبات والاعفاءات هي من اختصاصات الهيئة القيادية للحزب الحاكم) . واعتبر نائب الترابي ان ما تم سيدخل الوطن في دوامة جديدة من الحيرة والقلق السياسي وذلك يعد خروجاً عن الدستور والنظام الاساسي للمؤتمر وتجاوزاً لصلاحيات الهيئة القيادية للمؤتمر الوطني ثم اجهاضاً لقرارات مجلس الشورى الاخيرة ولجنة الاصلاح الشامل قبل ان يجف مدادها) . وبدورها نسبت الصحف الى المتحدث باسم الحكومة وزير الاعلام غازي صلاح الدين العتباني قوله ان (الرئيس يتخذ قراراته طبقا لقرارات هيئة الشورى) . وفي ذات الاتجاه ذهب محمد الحسن الامين امين دائرة القوى الشعبية بالحزب الحاكم وابرز الموالين للترابي واصفا ما حدث بانه خرق جديد للدستور الذي قال انه لايمنح رئيس الجمهورية منفردا اتخاذ مثل تلك القرارات من اعفاء الوزراء وحكام ولايات وتغيير وتعديل القوانين) . وقال الامين في تصريح لـ (البيان) ان الامور الآن باتت اكثر وضوحا لقواعد الحركة الاسلامية في ان الرئيس يريد للتنظيم ان يكون مجرد تابع له يبصم على قراراته التي يتخذها واضاف الامين ان النظرة الآن للامور باتت نظرة احادية ولا يوجد ما يلزم الطرف الاخر بالمؤسسة. وكشف الامين لـ (البيان) ان د. الترابي سيصل اليوم الى الخرطوم ليرأس الاجتماع العاجل لهيئة القيادة والذي سيحدد الخطوة القادمة للمؤتمر الوطني بعد ما اتضح اصرار الرئيس في السير الى الامام في عدم التزامه بالمؤسسة وكان مسجد جامعة الخرطوم (معقل الطلاب الاسلاميين الموالين للسلطة) قد شهد طيلة نهار والليلة قبل الماضية حشودا من طلاب وقيادات الحركة الاسلامية وشهد نقاشا واسعا حول ما تعانيه الحركة الاسلامية من انقسام وصل الى درجة التشابك بالايدي وكاد ان يتفجر الى صراع دموي عندما قام حاج ماجد محمد سوار (امير الدبابين) بانزال الدكتور جعفر شيخ ادريس من منبر المسجد عنوة ومنعه من الحديث خاصة بعد ان شرع في الهجوم على الترابي. وضج المسجد بالهتاف الذي يردده مناصرو الترابي هذه الايام مثل (لن تحكمنا سي. آي ايه) و(يسقط عملاء امريكا) . من جانب آخر غادر الدوحة امس الى الخرطوم وزير الخارجية القطري في اطار تكليفه من طرف امير قطر بوساطة بين الرئيس البشير والدكتور الترابي. وقال الترابي قبل مغادرته الدوحة ظهر امس باتجاه الخرطوم مختصرا زيارته بيوم واحد (ان المبادرة القطرية تتسارع وهي تهدف لجمع كل الروافد ولا تصب في رافد واحد) كما يقال, مضيفا ان وزير الخارجية سيستمع في الخرطوم الى كل الاصوات وسيحاول جمع كل الرؤى.. وربما يلحق ذلك اخراج لثمرة هذه الجهود. وحول ما إذا كان من ضمن أهداف المبادرة القطرية عودة الترابي إلى موقعه وإلى نفوذه السابقين, قال الأمين العام للمؤتمر الوطني السوداني: (ليس له من مواقع في الحياة إلا في التنظيم السياسي كأمين عام للمؤتمر الوطني.. مضيفا انه سواء حكمت المحكمة بأن الاجراءات الرئاسية الأخيرة قد خرقت الدستور أم لا, فإن أجل المجلس الوطني الذي تم حله قد شارف على نهاية ولايته. وردا على سؤال حول قرارات الرئيس البشير الأخيرة بحل الحكومة والغاء قانون التوالي, قال الترابي ان كل الآراء كانت تتجه إلى تغييرات في القانون المذكور لأنه كان يشترط التسجيل على الأحزاب.. كاشفا انه كان على جدول أعمال المجلس الوطني قبل حله مراجعة القانون ذاته في اتجاه نبذ العنف في العمل السياسي وعدم اشتراط الحصول على رخصة أو تسجيل مسبق لنشاط الأحزاب. أما بالنسبة للحكومة يضيف الترابي فإن البشير يريد ان يقول للمعارضة بأن المشاركة في السلطة ليست قضية أمام الوفاق إذ يمكن ان تنفتح الصفوف لتستوعب من تيسر استيعابه. وحول ما إذا كانت الاجراءات الأخيرة تستهدف التخلص من أنصار الترابي في الحكم, قال ان الناس ينزعون إلى تشخيص هذه القضايا, فيما هي اختلافات موضوعية حول مدى الحريات والتنظيم بين المجلس الوطني والجهاز التنفيذي, وبين الحزب وسلطته, مؤكدا ان المشكلة ليست بين شخص وآخر, أو بين فريق وآخر. وفي آخر تصريحاته قبل مغادرته الدوحة قال الدكتور الترابي ان الأمور تتجه إلى التقدم ان شاء الله. ومن ناحية اخرى قال السفير السوداني لدى قطر عبدالرحمن حمزة, القائم بأعمال السفارة لـ (البيان) ان استقبال الدكتور الترابي من طرف طاقم السفارة كان على اساس انه الامين العام للمؤتمر الوطني السوداني. اضافة الى كونه مفكراً وعالما اسلاميا.. واضاف ان اللقاء الذي جمعه ليلة امس الاول بالجالية السودانية في مقر السفارة كان جيدا.. وقد جاء في اطار احتفال الجالية بعيد الاستقلال حيث شاركهم الترابي هذا الاحتفال. وحول مرافقة محمد الأمين خليفة وزير رئاسة مجلس الوزراء السابق للدكتور الترابي في زيارته للدوحة.. قال الدبلوماسي السوداني ان الصلة القوية بين الرجلين معروفة, مضيفا ان محمد الامين خليفة كان قدم استقالته من منصبه حتى يضع نفسه في موقع ايجابي لدور الوساطة.. ويضيف الدبلوماسي السوداني انه (بالفعل فقد نجحت هذه الصيغة, واستطاع الجميع تجاوز الازمة, وانسد بذلك الطريق امام الذين كانوا يبذرون بذور التفرقة بين ابناء السودان الواحد) . ومن جهة اخرى نفى السفير حمزة ان تكون السلطات القطرية قد نسقت مع السفارة السودانية في الدوحة موضوع الوساطة, منوها بأن الاتصالات كانت مباشرة بين القيادتين في كل من الدوحة والخرطوم. وكان أمير قطر قد استقبل الليلة قبل الماضية الدكتور الترابي ومحمد الأمين خليفة.. بحضور الشيخين يوسف القرضاوي وعبدالمجيد الزنداني. كما كان الترابي اشار في ندوة صحفية في الدوحة ان قطر كانت وراء تجاوز ازمة الوفاق السوداني الاخيرة. الدوحة ـ الخرطوم ـ البيان