تزخر الشاشات العربية الصغيرة بكثير من المسلسلات المدبلجة التي أضحت رقما لا يستهان به في عالم المتابعة، فبعد المسلسلات المكسيكية والبرازيلية ها هي المسلسلات الكورية والتركية والهندية تشكل ذلك الزخم الكبير الذي حظي بتلك المتابعة والتي تدور في أغلبها حول الجانب الرومنسي ولعل مسلسل نور التركي كان العمل الذي حطم كل الأرقام حيث استقطب حوالي 85 مليون مشاهد أما سنوات الضياع فقد استقطب حوالي 67 مليون مشاهد، لكنها لم تسلم من الانتقادات الكبيرة لأنها حسب المتابعين لم تأت بجديد، بل غالب المنتقدين يرونها دعاية أكثر منها رسالة فنية لأنها تضمر في باطنها واجهة سياحية تعرِّف المشاهد على طريقة حياة تلك المجتمعات وما تزخر به من طبيعة ومناخ وتراث. وأمام تلك المسلسلات نجد غيابا واضحا للمسلسلات الفرنسية المدبلجة وهذا ما يطرح السؤال الكبير لماذا هذا الغياب مع أن المجتمعات العربية تريد معرفة الثقافة الفرنسية التي أصبحت غير بعيدة من المجتمع وبخاصة بلدان المغرب العربي. حاولت «الحواس الخمس» أن تعرف الأسباب والدوافع لهذا الغياب من خلال استعراض أهم الأعمال المدبلجة. كانت البداية في تسعينات القرن الماضي من خلال المسلسلات المكسيكية والتي استقدمها المخرج اللبناني نقولا أبو سمح وكان من أهمها «أنت أولا أحد» و«أنطونيلا» حيث نشطت ركود الممثلين اللبنانيين الذين كانوا يعانون من قلة الإنتاج المحلي.
تفوق العربية
ولعل الدبلجة باللغة الفصحى ساهم في انتشارها وكانت عابرة للدول العربية مهما كان موقعها باعتبار اشتراكها في اللغة الأم، رغم كلفة الحلقة الواحدة التي كانت تراوح بين الخمسمئة إلى الألف دولار، ومن بين المسلسلات الأجنبية التي دبلجت نجد العمل الكوري الذي بدأ في الانتشار على غرار» آسف إني أحبك» و«بيت مليء بالحب» و«الحب الحزين» بينما نجد أن المسلسلات الروسية لم تلق ذلك الرواج بعد أن وسم بالبرودة برودةَ مناخها كمسلسل «ناستيا».
أما المسلسلات الأميركية، فالغالب أن تأتي مترجمة غير مدبلجة لاعتياد المشاهد العربي على مشاهدة الأفلام الأميركية التي تعد الأولى في السوق العالمية، والتي تعتمد على الإثارة والأعمال البوليسية.
وبما أن المسلسلات الفرنسية أخذت حصة الأسد في نسبة المشاهدة في فرنسا مقارنة بالأفلام فإننا أمام ثورة المسلسلات التي تعد خزان المنتجين والقنوات الفرنسية التي باتت تتهافت على بثها.
البداية
كانت البداية الفعلية للمسلسلات الفرنسية بداية خمسينيات القرن الماضي حيث كان الطابع البوليسي هو الغالب فيها على غرار «خمس دقائق الأخيرة» الذي عرض عام 1958 من بطولة رايموند سوبلاس وجون دوروند حيث كان غالب المسلسلات في ذلك الوقت تبث في الاستوديوهات. بعد المسلسل الذي لاقى نجاحا كبيرا ذو الطابع البوليسي «وكالة نوستراداموس» الذي عرض عام 1950 لمدة موسم واحد وهو أول مسلسل فرنسي على الإطلاق فقد عرض على قناة ُُّْن الفرنسية التي كانت النافذة الرئيسية آنذاك لعرض الأعمال الفرنسية، المسلسل من بطولة دينيس بروفانس وجاك هنري دوفال.
الطابع البوليسي والفانتازيا
وفي فترة الستينيات حافظت المسلسلات على الطابع البوليسي ولكن خرجت نوعا ما من قاعات الاستوديو كمسلسل «ألبيرت في أورلي» الذي عرض سنة 1964 من 10حلقات من إخراج جاكيس فيلا، ومسلسل «آلو بوليس» الذي عرض سنة 1965 من 36 حلقة فقد استمر عرضه إلى 1969 ولاقى استحسانا منقطع النظير آنذاك حيث كان بداية الأجواء المثيرة والألغاز المعقدة مما أعطاه نوعا من المتميز عن الذي سبقوه، العمل من إخراج بيير غوتاس وجون دويفر.
ورغم الطابع البوليسي الذي هيمن على تلك الأعمال، إلا أن الدراما كان لها قدم في تلك الأعمال كالمسلسل الذي ملأ الآفاق والذي جعلت له نسخة كرتونية وهو «بيل وسيباستيان» كان أول عرضه عام 1965 من 13 حلقة من إخراج سيسيل أوبري وبثته قناة ُُّْن الفرنسية، وفي خضم سيطرة الأفلام البوليسية فكر المنتجون في إقحام لون الفنتازيا مبالغةً في الإثارة كمسلسل «بيليجور» الذي عرض عام 1965 في أربع حلقات من إخراج آرثر بيرنيد وبطولة جولينث غريكو وريفس رينيه وكانت قناة ُّن1 الفرنسية بداية عهدها في بث المسلسلات، كما كان لمسلسلات المغامرات ظهورها اللافت كـ «قراصنة» سنة 1966 من 13 حلقة والذي شهد أطول شارة تضم أكبر قدر من الممثلين المشهورين على غرار ميشيل لوروير وكريستيان باربيه ومساعديهم بالإضافة إلى الكومبارس.
كما تخلل في تلك الفترة الطابع الدرامي حيث برز بقوة مسلسل «أحب جانيك» من 52 حلقة سنة 1963 وهي قصة رومنسية في أحداث درامية مؤثرة تتفاجأ من خلالها البطلة جانيك بأن حبيبها برنار قد خطب بنتا أخرى بعد سنين من الحب والألفة بينهما.
المغامرات بعد المستعمرات
أما في فترة السبعينيات وبعد خروج فرنسا من أغلب مستعمراتها كانت هناك حركة غير عادية في إنتاج المسلسلات حيث عادت مسلسلات المغامرات لتلقي بظلالها على الشاشة الصغيرة مثل مسلسل « آرديشْوا..القلب المخلص» وكان من ست حلقات لكن أحداثه كانت مكثفة ومتسارعة عرض سنة 1974 واستر لمدة سنة واحدة من إخراج جون كوسموس وجون شاتونات وبطولة سيلفن جوبارت، كما أعطت المسلسلات البوليسية طعما آخر خرجت كليا من أجواء الاستوديو كمسلسل» آرسين لوبان» الذي عرض سنة 1972 واستمر لموسمين من 26 حلقة حيث عالج هذا العمل مسألة الضمير الأخلاقي في العمل الشُرَطي عرض على قناة ُّن1 الفرنسية التي نابت قناة ُُّْن في عرض المسلسلات، كما دخلت في تلك الفترة المسلسلات التاريخية كأيقونة جديدة للشاشة الصغيرة لا سيما بعد أن التقطت فرنسا أنفاسها بعد حروب خاضتها مع مستعمراتها ومع حلفائها ضد النازية كمسلسل» الأمل في الله» عام 1977 من 6 حلقات وهي البداية الفعلية لتلك الأنواع من الأعمال حيث تعود أحداث هذا العمل إلى 1906 بطلها هو الدوق الذي كان بطله جاك ديميسنيل كان يسكن هو وعائلته في قلعة تسودها المحبة والوئام إلى أن اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 والتي تركت آثارا سلبية على العائلة لتتفاقم تلك المشاكل مطلع عام 1933 عندما شهد العالم المد النازي والحرب الأهلية الإسبانية ليأتي إلى عمق التكوين الديني للأسرة ليعالج المسلسل كيف يتعامل الدوق مع تلك الظروف.
الكوميديا...الوافد الجديد
في فترة الثمانينيات ظهر المد الكوميدي ليكتسح التلفزيون في ظل ظهور نجوم الكوميديا على غرار لويد فيناس وجورج ستاكيه ومن بين الأعمال التي لاقت ترحيبا بين المشاهدين مسلسل» آلو بياتريس» عام 1984 حيث بدأت القناة الفرنسية الثانية في عرض الأعمال الفرنسية كالمسلسلات العمل يتحدث عن حياة مقدمة برامج تلفزيونية وهمومها العائلية وضغط العمل التلفزيوني وعلاقتها مع زوجها التي شهدت تقلبات في العلاقات العاطفية بينهما، المسلسل من بطولة نيكول كورسال ودانييل سياسالدي من 6 حلقات، الذي لم يكن بأقل استحسانا من عمل « آبي سي دي..متعادلون» ذي 61 حلقة الذي عرض عام 1989 ومسلسل» إيموجان» من 11 حلقة في العام نفسه بطولة دومينيك لافانات وجون نا نجي جي، أما المسلسل الكوميدي الذي نجح نجاحاً باهراً هو مسلسل مراك وسوفي الذي حطم الأرقام القياسية في عدد حلقاته حيث بلغت 220 حلقة عرض عام 1987 واستمر لمدة 5 سنوات من بطولة جيرارد رينالدي الذي جسد دور مارك وجولي آرنولد التي جسدت دور سوفي وهي الفترة التي بلغت الكوميديا أوجَها.
دخول الكرتون
أما في فترة التسعينيات فقد ظهرت المسلسلات الكرتونية لتكون أداة لتعرف الأطفال على الثقافة الفرنسية بعد غزو الكرتون الياباني والروسي شاشات فرنسا فقد سخرت له شركات الإنتاج الفرنسية كل الإمكانيات علَّها تلحق بركب الكبار حيث برز مسلسل» 20,000 مكان في الفضاء» كأحد الأعمال المهمة التي راهن عليها صناع التلفزيون حتى أنه ترجم باللغة الإنجليزية بغية تسويقه إلى الخارج عرض هذا العمل سنة 1995، وبعدها تبلورت هذه الفكرة ليخرج علينا المسلسل الكرتوني « عظم الزند» بِطُول 104 حلقة والذي لاقى متابعة كبيرة من قبل الأطفال، ولم تقتصر الشاشة الصغيرة على هذه الصناعة بل حافظت على المسيرة البوليسية من خلال مسلسل «غوريلا» 13 حلقة، والدرامية من خلال مسلسل «عواصف صيفية والتحذير من كارثة» من 9 حلقات، كما نال مسلسل «شارع القصر» لفريديريك اوبيرتان إعجاب النقاد وهو نوع من المحاكاة التهكمية الساخرة الذي كان لونا جديدا على الشاشة الصغيرة من 33 حلقة بطولة آني ريشارد وجون فرانسوا بارمير.
محاولة
وأمام المد الأميركي الجارف وظهور مسلسلات حققت نجاحا كبيرا على غرار «الأصدقاء» حاولت فرنسا أن تسابق الكبار من خلال مسلسلات متنوعة وطويلة نوعا مقارنة مع الفترات السابقة فظهر بداية الألفية الجديدة مسلسلات متنوعة تحاكي في طرحها نوعا ما الأعمال الأميركية كمسلسل «1788 ونصف» من 52 حلقة ذو طابع ملون درامي كوميدي وإثارة حاول الإنتاج التلفزيوني الفرنسي أن يجمع شتات الاتجاهات في عمل واحد من بطولة ألمع النجوم كسام كارمن وناتشا لاندينجر عام 2000 أما عام 2002 فقد ظهر اللون الدرامي ولكن بنكهة شبابية كمسلسل» السن الحساسة» من 50 حلقة والتي عرضته القناة الثانية الفرنسية من بطولة ثلة من الشباب مثل ألكسندرا آنسيداي بالإضافة إلى ظهور ممثلين من أصول عربية ك ليندا بوهني. ولم يغب الطابع البوليس عن المشهد التلفزيوني حيث حقق مسلسل « في الثبات» رغم قصر حلقاته وهي 4 حلقات العمل من إخراج الآن تاسمان والذي أعيد ولكن بعنوان آخر مع بعض التعديلات» في الثبات سنتان من بعد». وظهرت خلال هذه الفترة عدة مسلسلات لكنها لم تلق تلك الإقبال أمام سيطرة السينما الأميركية على غرار مسلسل» 24 ساعة في مارسيليا» عام 2009 ومسلسل «آه هذه هي الحياة» من حلقتين. و«أليس وشارلي» وغيرها الكثير.
