بانجو، حشيش، أفيون، هيروين، كوكايين.. مسميات عتيقة لمخدرات تقليدية، داوم عليها مئات الملايين لسنوات طويلة.. لكنها مع رياح التغيير التي تجتاح كل شيء في عالم اليوم باتت موضة قديمة، فقدت تأثيرها لدى كثيرين، لم تعد «تعدل الدماغ»، أو تمنح «الكيف» المطلوب.. الصرعة الأحدث في عالم المخدرات باتت تصل من أقصى العالم إلى أقصاه في لحظة واحدة دون أن تصادرها إدارات الجمارك أو تضبطها عناصر الشرطة.. ذلك أنها مخدرات «رقمية».. «الحواس الخمس» يحذركم عبر السطور التالية من إدمانها..

استطاعت الثورة الرقمية تعديل خريطة الإدمان وتجارة الكيف على مستوى العالم، فلم يعد استهلاك المخدرات قاصرا على حقنة في الوريد، أو شمة في طريق مظلم، أو مضغة أو تدخين شيشة، لكن الإنترنت نافست أباطرة المخدرات وسهلت طريق الإدمان وجعلته أكثر أمناً بعيداً عن مطاردات الشرطة ومراقبة الأسرة، وذلك عن طريق ملفات موسيقية إلكترونية تبعث أصواتاً عالية وإيحاءات وهمية يتلقاها المدمن عبر سماعتين كبيرتين إلى أذنيه فتحدث له نشوة واسترخاءً يجعلانه يغيب عن الوعي في حالة أشبه بتعاطي المخدرات، وذلك نظير مبلغ يتراوح ما بين 3 إلى 9 دولارات في كل جلسة!

جرعة موسيقية

يبدأ المدمن الراغب في حالة مزاجية عالية باختيار جرعة موسيقية من بين عدة جرعات متاحة على موقع متخصص على شبكة الإنترنت يسمى IDOSER يقوم بتحميل هذه الجرعة من خلال مشغل الأغاني المدمجة MP3، ومن ثم يتم الاسترخاء التام في غرفة خافتة الإضاءة، مع ارتداء ملابس فضفاضة وتغطية العينين وإغلاق المحمول والاستلقاء على وسادة لمدة تصل إلى 30 دقيقة، وذلك في حال الجرعات المتوسطة، و45 دقيقة في حال الغياب الكامل عن الوعي، حيث يتأثر من يستمع إلى هذه الموسيقى بشدة، ويصبح تحت تأثيرها لمدة تتراوح من ساعة إلى 3 ساعات في حالة مزاجية تحاكي تأثير الحشيش والهيروين والكوكايين.

وعلى طريقة «أول شمة مجانا» يبدأ مديرو تلك المواقع بإرسال رسائل إلكترونية عبر الإيميل يطلبون من المستخدمين تحميلها والاستماع إليها مجانا، وعندما يشعرون بحالة الهلاوس والسعادة الزائفة يحاولون تشغيلها مرة ثانية، لكنهم يفشلون، ولا يستطيعون الحصول على الملفات مرة ثانية إلا بمقابل مادي، وبذلك يسقطون في بحر جديد من بحور الإدمان المظلمة. وبالرغم من انتشار هذا النوع من المخدرات في أميركا منذ فترة، إلا أنه أثار فضول العديد من شباب الوطن العربي، حتى أصبحت الجزائر ثالث أكبر دولة على مستوى العالم تتردد على هذا الموقع بعد المجر وموريتانيا، إلى جانب توجيه الدعوات عبر الفيس بوك والمنتديات إلى أبناء الخليج لزيارة الموقع والتعرف إليه، لكن حتى هذه اللحظة اختلف المستمعون إلى هذه الموسيقى حول تأثيرها، فبينما يرى البعض أنها نوع من الوهم، ولم يشعروا معها بأي نوع من النشوة إلا ضياع جزء من أموالهم بكروتهم الائتمانية، أكد البعض الآخر أن تأثيرها يفوق تأثير المخدرات التي اعتادوا عليها، لكن لا يعرف أحد هل هي مخدرات أم نوع من الموسيقى التي تخدر الأعصاب؟!.

حالة من اللاوعي

وحول التأثيرات النفسية والعصبية لهذه الموسيقى يرى د. يحيى الرخاوي، خبير الطب النفسي، أن هذه الملفات تحتوي على نغمات أحادية أو ثنائية يستمع إليها الشاب فتصل إلى دماغه وتتلاعب بموجاته وتحاكيه وتجعله في حالة أشبه بالخدر تشابه تأثير المخدرات الحقيقية، حيث تعتمد على تقنية النقر في الأذنين، فتثبت صوتين متشابهين في كل أذن لكن يختلف تردد كل منهما عن الآخر، ما يؤدي إلى حث الدماغ على توليد موجات بطيئة مثل الموجات المرتبطة بحالة الاسترخاء التي يطلق عليها موجات «ألفا»، وتحاكي أيضاً الموجات السريعة المرتبطة بحالة اليقظة وهي موجات «بيتا»، فيشعر المتلقي بحالة من اللاوعي مصحوبة بهلاوس وفقدان توازن جسدي ونفسي وعقلي.

وعن الأضرار التي تسببها هذه الموسيقى يؤكد الرخاوي أن تأثيرها الضار يفوق تأثير المخدرات الحقيقية بمراحل، خاصة على خلايا المخ، حيث تحدث هذه الجرعات من الموسيقى الصاخبة تأثيراً سيئاً على مستوى كهرباء المخ، ما يجعل المتلقي يشعر بحالة من السعادة والنشوة الغامرة يعتقد بأنها لحظات ابتهاج، لكنها في الحقيقة فترة زمنية يفقد فيها المخ تركيزه، فينفصل عن الواقع، مشيرا إلى أن تكرار الاستماع إليها بنفس القدر من الصخب يؤدي إلى نتائج مدمرة للخلايا المخية ينجم عنها نوبات تشنج متكررة سواء أثناء الاستماع إليها أو بعدها.

ويوضح أن الحالة النفسية التي تحدثها هذه الموسيقى معروفة منذ فترة طويلة، حيث يطلق عليها «هو لو تروبيك»، وكانت تستخدم في أنواع معينة من العلاج يعرف باسم الموسيقى العلاجية تغني عن العقاقير المهدئة، وتسمح للمستمع بالدخول في مرحلة ما قبل الوعي، والتي تقع بين الوعي واللاوعي، ويسترجع خلالها الشخص الأحداث السعيدة والذكريات غير المؤلمة في محاولة الإيحاء بالسعادة والنشوة؛ لذلك حاول المتلاعبون بعقول الشباب استغلال ثورة المعلومات والإنترنت في الربح واللعب على الباحثين عن الأوهام والهاربين من المشاكل بتسويق تقنيات ومراجع إلكترونية في ظاهرها المتعة والنشوة، وفي باطنها السم والعذاب والفقر.

مجرد إيحاءات

في الوقت الذي أكد العديد من خبراء المخ والأعصاب تأثير هذه الأنواع من الموسيقى في الحالة المزاجية للشباب، فإن د. عادل نبيه، أستاذ المخ والأعصاب بجامعة الأزهر، شكك في تأثير هذه الموسيقى، قائلاً: أجرينا عدة دراسات على هذه النغمات والمقطوعات الموسيقية الصاخبة وتأكدنا أنها لا تتسبب في أي تغيير يذكر على كيمياء الدماغ أو أي شيء من هذا القبيل، وأنها مجرد إيحاءات يحاول المستمع إيهام نفسه بأنه في حالة نشوة وسعادة فقط، بمعنى أنها تعتمد على الوهم في الأساس أكثر منها على حقائق علمية.

وبمواجهته بحالة التشنجات التي يتعرض لها عدد هائل من متلقي هذه الملفات الموسيقية، قال: هناك عدد من الأشخاص لديهم بؤر صرعية داخل المخ وغير مكتشفة، وعندما يتعرضون لهذه الموسيقى الصاخبة تظهر تلك البؤر فتتفاعل مع الأصوات العالية التي تؤذيها بشدة، فيصاب صاحبها بتشنج مفاجئ دليلاً على اعتراض المخ وتأزمه بسبب هذا النوع من الموسيقى، بالإضافة إلى أن هؤلاء الأشخاص يكونون مصابين بمشاكل في كهرباء المخ تختلف تماماً عن الأصحاء من ناحية زيادتها وعدم انتظامها.

استخدام آمن

إلى ذلك، حذرت د.نجوى خليل، مدير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، من خطورة هذه الجريمة المستحدثة التي لم يصدر حتى هذه اللحظة أي تشريع يجرمها أو يحد من انتشارها، حتى بدأت تلقي بظلالها على المنطقة العربية ودول الخليج، خاصة أنها وجدت رواجاً كبيراً بين مستخدمي الإنترنت، وخاصة فئة الشباب، ما يدعو إلى القلق.

وأشارت إلى أن المركز أجرى دراسة قام بها أحد الباحثين المتخصصين في شأن الجريمة المستحدثة، رصدت قيام أحد المواقع ببيع 1,4 مليون ملف مخدرات شهرياً، ويقدم عمليات إغراء مكشوفة للمستخدمين كتجربة مجانية في البداية، كما أنه يشجع الشباب على الترويج لهذه التجارة لقاء عمولة تصل إلى 20% على جميع أنواع الملفات، سواء التي يطلق عليها ملفات هلوسة أو مخدرات روحية أو سعادة أو مضادات قلق أو سريعة المفعول.

ونبهت إلى ضرورة اتخاذ تدابير كافية لحماية الشباب في جميع الدول العربية، خاصة أن الدول الأوروبية بدأت في محاربة هذه التجارة منذ فترة طويلة بعد الانتشار المزعج لها، مشيرة إلى دور الدولة في وضع السياسات التي تكفل حماية حقوق المواطنين وعدم تعرضهم إلى ما يسيء لدينهم وأخلاقهم، والسعي لتمكينهم من الاستفادة من هذه التقنية الرقمية المتطورة، بعيداً عن الآثار الضارة التي تنجم عن سوء استخدامها.