رحب علماء ومفكرون بالمبادرة التي أطلقها قبل أيام شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بإنشاء مشروع «بيت العائلة» الذي يدعو إلى نشر التسامح والاعتدال بين مسلمي مصر ومسيحييها، وطالبوا بضرورة تفعيل تلك المبادرة عبر اللجنة التي سيتم تشكيلها لهذا الغرض حتى تأتي بمردود إيجابي على جميع المجتمعات.. لافتين في الوقت ذاته إلى أن تلك الفكرة يمكن أن تخدم كل الأمة العربية التي أغلبها تقوم على الطائفتين المسلمة والمسيحية.. «البيان» رصد تفاصيل المبادرة وتداعياتها على المجتمع.

 

في البداية أكدت مصادر بالأزهر الشريف أن المبادرة ستضم المعتدلين من الطرفين ليكونوا صوتاً واحداً، وأنها تركز على سماحة الإسلام والمسيحيين، وتعمل على إزالة كل الأمور المؤدية للاحتقان، وأوضحت أن أهم ما في هذه المبادرة أنها تناقش كل ما يخص المسلمين والمسيحيين من مشكلات وتقترح الحلول المناسبة لها، بحيث تكون المبادرة مرجعية يستفيد منها الجميع لخلق وحدة حقيقية في عالمنا العربي والإسلامي..

ووفقا لمصادر الأزهر الشريف، فإن هذه المبادرة لم تجد أي اعتراضات من الطرفين، حيث نوقشت على مستويات مختلفة، وأجمعوا عليها باعتبارها تدعو للحب والسلام والتقارب أكثر.

 

مرجع لكل العالم العربي

إلى هذا، أكد د. محمد الشحات الجندي أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ضرورة ترسيخ مبدأ العمل المشترك حتى تستطيع المبادرة أن تحقق الأهداف المطروحة، مشيراً إلى أن الدينين المسيحي والإسلامي هما دينان من عند الله، وقال: إن أية مشكلة أو محاولة للقطيعة تعتبر أمرا شاذا؛ لأن التاريخ في مصر يحكي عن تكاتف وترابط تاريخي وثقافي بين كل المصريين، دون النظر إلى الدين أو العرق بأي شكل من الأشكال..

وطالب الجندي اللجنة المسئولة عن تفعيل المبادرة بالعمل بحكمة ووعي لنشر مفاهيم التعايش، مشيرا إلى أن نشاط اللجنة المختصة بالمبادرة سيكون بالتأكيد متركزا على الحلول التي تطرأ نتيجة أي خلاف بين الطائفتين، مما يسهم بقدر كبير في مساعدة الدولة في اتخاذ القرارات التي تدعم هذا التوجه، خاصة أن هذه اللجنة التي ستخرج من رحم المبادرة ستعمل في قلب المجتمع وتستطيع بذلك أن ترصد بوعي كل الأحداث الحياتية للمصريين وتكشف أي مظاهر للمشكلة وتتم معالجتها بسرعة واهتمام كبيرين.

فيما أكد المفكر د. نبيل لوقا، أستاذ القانون، ضرورة التمسك بهذه المبادرة ودعمها بوعي عال، مشيراً إلى أن الرهان على هذه المبادرة يعني وحدة مصر الوطنية، خاصة أن مبادرة بيت العائلة ستعمل على بحث مشاكل المسلمين والمسيحيين على حد سواء وبعدل كبير، وسيقوم العمل بها استناداً إلى مبدأ المواطنة وليس الطائفة، وقال: أتوقع أن تجد دعما غير محدود من كل المثقفين والمفكرين وقبلهم الحكومة المصرية حتى تزيل كل الهواجس التي تعكر من وقت إلى آخر صفو المجتمع المصري المتماسك.

وحذر نبيل من تجاهل المشاكل الصغيرة في هذا الإطار، خاصة أن النظرة الضيقة لقضية عنصري الأمة تولد الخصومات التي قد تجر وطننا لمستنقع طائفي، وراهن على أن هذه المبادرة بعد أن تحقق أهدافها ونجاحها في مصر ستكون مرجعاً لكل أهلنا في الوطن العربي، خاصة الدول التي تعاني من المشاكل الطائفية.

إلى هنا وصف د. محمود رضا نائب رئيس جامعة الأزهر، فكرة بيت العائلة بأنها تتماشى مع ما أمر به الإسلام، لكنه دعا أن تكون كل المحافظات ممثلة في هذه اللجنة من خلال ممثلين لها، بالإضافة إلى رجالات القبائل المعنيين بحل المشاكل والتراكمات بين المسلمين والمسيحيين فهم من الطرفين وهؤلاء لهم تجارب جيدة، وبالتأكيد سيكون لهم إسهاماتهم، وقال: لابد أن تهتم هذه اللجنة عبر فروعها في كل الأقاليم بتوعية المواطنين باحترام العقائد، أي أن الكل يحترم عقيدة الآخر والبحث عن القواسم المشتركة التي ستكشف للمجتمع أن هناك مصالح مشتركة تتمثل في أشياء كثيرة من خلال التعامل الحياتي العام.

وأشار أيضاً إلى أن هذه اللجنة إذا استطاعت أن تحقق نشر السماحة والاعتدال بين المسلمين والمسيحيين في مصر ستكون نموذجا حيا ومرجعية لا خلاف عليها ولا غنى عنها في كثير من دولنا العربية والإسلامية.

 

حلول منطقية

وحول ما إذا قصد من هذه المبادرة أن تكون في خدمة العالمين العربي والإسلامي بالتحديد قال د. عبدالمعطي بيومي: هي بالفعل تأخذ بيد المجتمعين العربي والإسلامي في مثل هذه القضايا، ودعا الغيورين على مصر إلى التكاتف والتماسك سواء من المسلمين أو المسيحيين، وأن يضعوا أياديهم في أيدي بعضهم البعض من خلال عمل تطوعي، مشيرا إلى أن الأزهر الشريف لعب دورا كبيراً في العالمين العربي والإسلامي، وأن دوره التنويري تعدى هذه الحدود، وساهم بقدر كبير في نشر الوعي الإسلامي في شتى بقاع العالم، ولذلك أي مبادرة من الأزهر الشريف من الطبيعي أن تخدم العالمين العربي والإسلامي.

أما د. آمنة نصير، أستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر، فأكدت أهمية الفكرة، وقالت: لم يتبق أمامنا إلا أن نفكر جيدا حول كيفية إدارة هذه المبادرة، وأشارت إلى أن إنجاح الفكرة يحتاج إلى صبر لدراسة كل الجوانب التي كانت تؤدي للتوترات بين الجانبين، ومن خلالها نضع الحلول المنطقية ببناء جسور من الثقة المتبادلة وإدراك الكل أن المسلم والمسيحي لهما حقوق متساوية يجمعهما وطن واحد ومزاج واحد وثقافة مشتركة، ومن هنا لا بد من الالتزام بحسن النية لخلق بيت جميل يجمع كل المصريين على اختلاف أعراقهم ودياناتهم في «بيت العائلة».