في القرن الثامن قبل الميلاد، ضمت ما كانت تعرف بمنطقة «كابادوكيا» في تركيا ما يزيد على 30 مدينة تحت الأرض. وسكنت هذه المدن من قبل أفراد حضارات عدة، وأضحت ملجأ لأوائل المسيحيين، في السنوات التي سبقت تحول المسيحية إلى ديانة مقبولة. والآن، تبحث مجموعة متنامية من المهندسين والمعماريين تحت الأرض مجدداً.

ولكن دافعهم هذه المرة ليس الهروب من الاضطهاد الديني، وإنما الهروب من الاكتظاظ السكاني.وتقول مجلة «فوكس» العلمية، في تقرير نشرته أخيراً، إن عام 2018 سوف يشهد بداية العمل على مدينة تحت الأرض، تبلغ كلفتها 7.4 مليارات جنيه إسترليني، تحت قنوات أمستردام الشهيرة. ومن شأن هذه المدينة أن تشمل مرافق للتسوق والترفيه وركن السيارات. وتخطط كل من سنغافورة وتورونتو وفرانكفورت أيضاً لإنشاءات كبرى تحت الأرض.

وبدلاً من مجرد التسوق تحت الأرض، فقد يبدأ المكسيكيون قريباً في العيش هناك. ومن شأن «ناطحة أرض» مؤلفة من 65 طابقاً اقترح بناؤها في مكسيكو سيتي أن تقع على عمق يقرب من 300 متر (984 قدم) تحت ميدان المدينة الرئيسي. ومن شأن هذه الناطحة، المصممة من قبل شركة «بنكر أركيتكتورا» في هيئة هرم مقلوب، أن تحوي مركزاً زجاجياً، مؤلفاً من عشرة طوابق، ليرسل الضوء إلى عشرة طوابق من المنازل، وعشرة أخرى من المحال التجارية، و35 طابقاً من المكاتب في الأسفل.

مزايا واضحة

وللعيش تحت الأرض مزايا واضحة. ويقول البروفيسور صموئيل أرياراتنام، وهو مهندس في جامعة ولاية أريزونا: «إذا نظرتم إلى ظواهر مثل الكوارث الطبيعية، فأين تفضلون أن تكونوا: في الطابق الـ50 لأحد المباني المرتفعة، أم تحت الأرض؟».

وفي حال اتخذت الأوضاع على السطح منعطفاً للأسوأ نتيجة لتغير المناخ، فقد يصبح درع من الأمتار من التراب والصخور أكثر جاذبية من شرفة تطل على المدينة. ويقر أرياراتنام بأن الكلفة المباشرة للبناء لأسفل تفوق كلفة البناء لأعلى، ويقول: «لا أعتقد أنكم سترون ناطحات سحاب معكوسة خلال حياتي».

ولكن على المدى الطويل، تبدأ المزايا في الظهور، ويتمثل الحل في إنشاء كثير من الأماكن تحت الأرض، كما يقول أرياراتنام.

وتظهر الإنشاءات تحت الأرضية الحالية الكيفية التي يمكن نقل الظواهر التي نربطها بسطح الأرض إلى تحتها. ففي مرفق سانفورد للبحوث تحت الأرضية، وهو مجمع مختبرات في ولاية ساوث داكوتا يضم طوابق تقع على عمق يتراوح بين 90 متراً و2500 متر، عمل المعماريون مع علماء النفس على جعل البيئة تحت الأرضية مريحة إلى أقصى حد ممكن. فاستخدموا شاشات تعرض سماء زرقاء وأنظمة تهوية تنشئ تيارات هوائية تحاكي النسيم فوق سطح الأرض. والهدف من هذه التصاميم هو منع أي مشكلات نفسية.

تحديات هندسية

وبعيداً عن المشكلات النفسية، فإن التحديات الهندسية التي يطرحها بناء مدن تحت سطح الأرض تختلف تبعاً لعمق المدينة. ويشير الدكتور بول يانغر، وهو أستاذ في هندسة الطاقة بجامعة غلاسكو، إلى أن عشرات الأمتار الأولى تحت سطح الأرض تماثل السطح عادة في متوسط درجة حرارتها.

وبالتالي فإنه من شأن سكان الأعماق في بريطانيا وغيرها من البلدان الباردة أن يحتاجوا للتدفئة على مدار السنة لتحمل متوسط درجة حرارة يبلغ 10 درجات مئوية. ومع ازدياد العمق، ترتفع درجات الحرارة، وعلى عمق يقرب من 500 متر، اعتماداً على الموقع، يمكن العثور على متوسط درجة حرارة يبلغ 25 درجة مئوية. ولكن لكل شيء ثمنه.

ويقول يانغر: «سوف تضطر حينها للنزول تحت منسوب المياه الجوفية». وإبقاء الماء في الخارج، والهواء النظيف للتنفس في الداخل، سوف يتطلب ضخاً مستمراً».

خياران اثنان

ويقول الدكتور رايموند سترلينغ، وهو أستاذ فخري في جامعة لويزيانا للتكنولوجيا: «من الأسهل النظر في مرافق معينة تقع تحت الأرض وتتفاعل مع المرافق السطحية الأخرى، أو في مجتمعات معينة تتحرك تحت الأرض وتستطيع العيش بشكل مستقل عن الموارد الخارجية لفترات محدودة».

وحتى إن لم نكن سننتقل للعيش تحت الأرض انتقالاً كلياً، فإنه يبدو أن نسبة متزايدة من الحياة الحضرية سوف تعاش تحت سطح الأرض. ويقول يوسف الحشاش، وهو أستاذ في الهندسة المدنية بجامعة إلينوي: «في ظل التوسع العمراني الهائل، لديك خياران. يمكنك الذهاب للأعلى، أو يمكنك الذهاب للأسفل. إننا نشهد ازدياداً هائلاً في استخدام المساحة تحت الأرضية. وأتوقع أن هذا الاستخدام سينمو وينمو».

حديقة «لولاين»

 

حتى الحدائق يمكن أن توجد يوماً ما تحت الأرض، إذ تتصور مقترحات في نيويورك، إنشاء حديقة «لولاين» في مكان واسع ترك مهجوراً منذ زوال نظام الترام. ويمثل اسم هذه الحديقة إقراراً بنجاح حديقة «هاي لاين»، التي بنيت فوق سكة حديدية مرتفعة ومهجورة في غرب مانهاتن.

ومن شأن المرايا والألياف البصرية أن تدخل ضوء النهار الطبيعي إلى تلك الحديقة الكهفية. كما يمكن للأنابيب العاكسة للضوء أن تلعب دوراً رئيسياً في هذا الشأن، من خلال إيصال كميات هائلة من أشعة الشمس من الأعلى. واختبر نموذج أولي كامل بعضاً من هذه الابتكارات الآسرة للضوء، التي ينبغي أن تسمح بازدهار الأعشاب والشجيرات وحتى الأشجار بعيداً عن السطح.