كشفت وكالة الفضاء والطيران الأميركية "ناسا" عن أن طبيعة القمر "فويبي" التابع لكوكب زحل هي أقرب إلى خصائص الكواكب منها للأقمار. وتقول مجلة "ساينس ديلي" الأميركية، في تقرير حديث لها، إن العلماء في "ناسا" تمكّنوا من تحليل الصور التي تم التقاطها للقمر "فويبي" بواسطة مركبة الفضاء "كاسيني" التابعة للوكالة، وهو ما خالف ما كان معروفا لديهم من قبل بشأن طبيعة القمر. وباستخدام البيانات المستقاة من عدة أجهزة في المركبة الفضائية ونموذج كمبيوتري للطبيعة الكيميائية والجيوفيزيائية والجيولوجية للقمر، وجد العلماء أن "فويبي" كان له طبيعة كوكبية، أو بالأحرى بقايا بنية كوكبية.

تطور نشط

وتقول جولي كاستيلو-روغيز، الباحثة في مختبر دفع النفاث التابع لوكالة ناسا في باسادينا بولاية كاليفورنيا: "خلافاً للأجسام البدائية الأخرى مثل المذنبات، فإن القمر فويبي يبدو أنه تطوّر بشكل نشط لفترة زمنية قبل أن تتباطأ حركته". ويضيف: "يُعتقد أن تكون الأجسام مثل فويبي قد تكثفت بشكل سريع جداً. وبالتالي، فهي تمثل لبنات لبناء الكواكب. وهي بذلك تقدم للعلماء أدلة حول الظروف التي مرّت بها في وقت ولادة الكواكب والأقمار التابعة لها".

وتشير صور مركبة كاسيني إلى أن فويبي نشأ ضمن ما يسمى بـ "حزام كويبر"، وهو عبارة عن منطقة جليدية وصخرية قديمة تقع خلف مدار كوكب المشتري. وأظهرت البيانات أن فويبي اتخذ شكلاً كروياً في وقت مبكر من تاريخ تكوينه، ويتسم مركزه بطبيعة كثيفة وغنية بالمواد الصخرية. متوسط كثافته يعادل تقريباً كثافة كوكب بلوتو، وهو جسم آخر ضمن حزام كويبر. ومن المرجح أن يكون فويبي قد اجتذبه كوكب زحل عندما كان بطريقة ما على مقربة من الكوكب العملاق.

تحليق ارتدادي

وتقول "ساينس ديلي" إن زحل محاط بسحابة من أقمار غير نظامية تدور حول الأرض في مدارات مائلة من مدار زحل حول الشمس، وهو ما يسمى بطائرة خط الاستواء. ويعد فويبي أكبر هذه الأقمار غير النظامية، كما أن مداره يتميز بالتحليق الارتدادي مقارنة بالأقمار الأخرى. ويبدو أن أقمار زحل الكبيرة تشكّلت من الغاز والغبار التي تدور في المنطقة الاستوائية للكوكب.

وتدور هذه الأقمار حول كوكب زحل حالياً في المدار نفسه. يقول جوناثان لوناين، وهو الباحث المشارك في الدراسة وعضو فريق كاسيني في جامعة كورنيل بنيويورك: "من خلال الجمع بين بيانات كاسيني والتقنيات المطبقة سابقا على كواكب أخرى تابعة للنظام الشمسي، تمكنا من العودة إلى دراسة هذا القمر في الوقت المناسب، والتوصل إلى سبب اختلافه عن بقية منظومة زحل".

وتشير التحليلات إلى أن فويبي ولد خلال الثلاثة ملايين سنة الأولى من نشأة النظام الشمسي، الذي نشأ قبل 4.5 مليارات سنة. وربما يكون القمر في الأصل سهل الاختراق ولكن يبدو أنه انهار على نفسه نظراً لتعرضه للتسخّن. تجاوزت كثافة فويبي حوالي 40% من متوسط القمر الداخلي لزحل.

وكان يعتقد منذ فترة طويلة أن فويبي تكوّن على شكل ثمرة "البطاطا" وظلّ على هذا النحو طوال عمره. فلو كان قد تشكّل في وقت مبكر من تاريخ النظام الشمسي، لكان من الممكن أن يأوي أنواعاً من المواد المشعة التي من شأنها أن تنتج حرارة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة. وهذا من شأنه أن يعمل على تسخين باطن القمر ويعيد تشكيل سطحه. من جانبه، قال بيتر توماس، وهو باحث مشارك في مهمة كاسيني من جامعة كورنيل: "من خلال متابعة الشكل الموضح في الصور ومتابعة تاريخ تكوين القمر، استطعنا أن نرى أن فويبي بدأ بشكل كروي تقريباً، بدلاً من أن يكون على شكل غير منتظم في وقت لاحق من تاريخه".

ويرجح العلماء أن يكون القمر فويبي قد بقي دافئاً لعشرات الملايين من السنين قبل أن يتجمد. وتشير الدراسة إلى أن الحرارة سمحت أيضاً بأن يستوعب القمر كميات من السوائل في آن واحد. وهذا يمكن أن يفسر آثار المواد الغنية بالمياه على سطح فويبي التي تم الكشف عنها من قبل بواسطة كاسيني.

وتتسق الدراسة الجديدة أيضاً مع الفكرة القائلة إن عدة مئات من ملايين السنين مرت قبل أن يتم تبريد فويبي، حيث جنح القمر نحو النظام الشمسي الداخلي في إطار عملية إعادة ترتيب المنظومة الشمسية. وكان حجم فويبي كبيراً بما فيه الكفاية للإفلات من هذا الاضطراب.