«الفنان يحتفي دوماً بالجمال، والجمال يجب أن يأخذ دوماً شكلاً ما»، هكذا عبّر الشاعر والروائي الروسي الراحل بوريس باسترانك، يوماً عن نظرته الخاصة للفن، ذاك الذي تعودت دبي الاحتفاء به على طريقتها الخاصة، حيث أصبح بالإمكان أن تتلمسه في كل زواياها، وعلى جدران أزقتها القديمة، وثنايا شوارعها الواسعة، التي تعكس النظرة المعاصرة للمدن.
في شوارع دبي وأماكنها المختلفة، تحضر الفنون التشكيلية والبصرية بقوة، تختلف في أشكالها كاختلافها في مشاربها ومدارسها وحتى جنسياتها، الأمر الذي حول «دانة الدنيا» إلى واحة فنية فريدة من نوعها، حيث تتجاور فيها كل أنواع الفنون، بطريقة تشبه إلى حد كبير، مجاورة مناطق دبي القديمة للحديثة، في تفصيل معماري لافت، يكشف لنا عن مدى قدرة دبي على احتضان أنواع مختلفة من الفنون، تتوزع بين الغاليريهات وبعض المتاحف، التي نذرت نفسها لحفظ الفنون، وعرضها أمام زوار «دار الحي».
«دار الحكم والحكمة»، هكذا تعود الناس أن يطلقوا على بيت المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ سعيد آل مكتوم، رحمه الله، (1912-1958) الواقع في منطقة الشندغة، حيث يمثل هذا البيت الذي تشرف عليه هيئة دبي للفنون والثقافة (دبي للثقافة)، أيقونة خاصة، لما يحمله بين ثناياه من ذكريات، وما شهده من محطات تعكس نشأة دبي، وتطورها، فالبيت، الذي يعد حالياً جزءاً من متحف الشندغة، يعود تاريخياً إلى عام 1896، كما يعد بأجنحته الثمانية الممتدة، متحفاً ذا نكهة خاصة، لما يضمه بين جدرانه من صور وعملات وطوابع ووثائق تاريخية، تحكي تاريخ دبي، إلى جانب ما يعكسه الملمح المعماري التقليدي الذي يتميز به هذا البيت، الذي تفتح نوافذه على التاريخ، وفيه تشم رائحة الأجداد، وتقرأ تطور المشهد الفني في «دانة الدنيا».
في مكان ليس ببعيد عن خور دبي، يتربع المجلس غاليريا، الذي يقع في أحضان حي الفهيدي التاريخي، ويعود تأسيسه إلى 1989.. ما يميز المجلس هو طبيعة الأرضية التي يوفرها لعشاق الفنون التشكيلية والبصرية، فهو لا يعد مكاناً حاضناً لأعمال الرسم والسيراميك والزجاج، والتصوير الفوتوغرافي وحسب، وإنما ملتقى خاص يجتمع فيه الفنانون المخضرمون، الذين يعملون في كل أنواع الفنون ويمثلون اتجاهات الفن المختلفة، الأمر الذي يجعل من المجلس أشبه بنادٍ، تسمع في أروقته نقاشات كثيرة، كلها تصب في إطار الفن، وسبل تطويره، والارتقاء به.
الرحلة في متاحف دبي الفنية لا يمكن أن تمضي من دون الإطلالة على السركال أفنيو، الذي يعد أحد أكثر الأحياء الفنية نشاطاً ليس في دبي وحسب، وإنما على مستوى الشرق الأوسط، حيث يتألف «السركال أفنيو» من مزيج خاص من الفنانين والمبدعين، ويكشف عما يمتاز به وجه دبي من جمال حقيقي، نظراً لما يحتضنه من فعاليات فنية وقاعات عروض خاصة ومسرحية.
يتمدد حي السركال أفنيو على مساحة 500 ألف قدم مربعة، تمتزج فيها الفنون والأزياء والموسيقى والسينما، لتقدم معاً خلطة «فنية خاصة»، مع احتضان الحي لأكثر من 94 منشأة معاصرة، الأمر الذي دعا الكثير من عشاق الفنون إلى اعتباره بمثابة «قلب دبي النابض بالفنون».
جولة واحدة في «السركال أفنيو» لن تكون كافية لاكتشاف كل ما فيه من فنون، فهو يشبه إلى حد كبير منطقة «شورديتش» في العاصمة البريطانية لندن، ففي هذا الحي تتألق الفنون وتجد لها متنفساً من خلال «أيام غاليري»، الذي فتح أبوابه في 2008، وأصبح من أكبر صالات العرض الفنية المؤثرة في المنطقة، وهناك أيضاً غاليري «الخط الثالث»، الذي تمتلكه الفنانة منير شاهرودي فرمانفرمايان، ومعرض «الفن الأخضر»، الذي يعد موطناً للفنانين المعاصرين والناشئين من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، حيث يعرض أعمال فناني المنطقة، ويسهم في جعل دبي القلب النابض للثقافة في الشرق الأوسط.
المكان ذاته يضم أيضاً أول استوديو خاص بفن «الغرافيتي» المحلي، الذي يعرضها إلى جانب مجموعة لأعمال أوروبية وأمريكية يعود بعضها إلى الستينيات، وتمتد حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، الأمر الذي يؤكد المكانة التي باتت تحظى بها دبي على الخريطة الفنية. في حي السركال يمكن اكتشاف طبيعة العلاقة الجامعة بين الفنون التشكيلية والأزياء والموسيقى، وذلك من خلال المعارض التي تنظمها دار أزياء «ذا كارتل» و«ماد غاليري»، التي دأبت على تقديم تجارب استكشافية تظهر جماليات فن الحركة، الذي بات يعد من المدارس الفنية المتعددة في العالم.
على شارع الشيخ زايد، تتربع مباني مركز دبي المالي العالمي، ورغم أن الاسم قد يشير إلى ارتباط المكان بأسواق المال، فإن الزائر لهذه البقعة والمتجول بين ثناياها يكتشف مدى كثافة الغاليريهات التي تفتح أبوابها يومياً أمام الزوار لاكتشاف مدى روعة الفنون التشكيلية والبصرية، وفي هذا المكان تقع العديد من الغاليريهات المهمة على مستوى العالم، في وقت دأب فيه مركز دبي المالي العالمي سنوياً على استضافة فعاليات موسم دبي الفني، الذي يعد متنفساً للعديد من الفنانين، الذين يعملون خلاله على الكشف عن تفاصيل أعمالهم الفنية سواء الكبيرة منها أو الصغيرة.
مكانة دبي على الخريطة الفنية العالمية كانت كافية لاستضافة مركز فن جميل، الواقع في منطقة الجداف ووترفرونت، حيث تتمدد على أرضية المركز العديد من الأعمال الفنية الرائعة، التي تحمل تواقيع فنانين من أصحاب الوزن الثقيل في عالم الفنون البصرية والتشكيلية.