أن تبتسم في غمرة الوجع، لتضحك على ما يبكيك، وتتفاعل بعقلك مع ما يستفز وجدانك، فتنظر إلى النصف الممتلئ من الكوب، وتملأ رئتيك بطاقة إيجابية، فهنا تتألق الكوميديا، لتتراقص على أكفان الألم، فتتناثر مع رقصاتها أصوات ضحكاتٍ تعيد الروحَ للأجساد، والحياةَ للحياة.
على تلك الأوجاع، سار فنان الكوميديا الفلسطيني عماد فراجين بخطى ثابتة، لينبري عطاؤه في وجه كل ما يستفز وجدان المُشاهد العربي، متحدياً جميع الصعوبات التي وقفت في وجهه، ليسير يداً بيد مع عفويته وخفة ظله، قاصداً وسائل التواصل الاجتماعي، فوصل صوته للجمهور، وتردد صداه في النفوس.
«البيان» تواصلت مع عماد فراجين، صاحب البرامج الكوميدية «وطن ع وتر» و«ولعت»، ليؤكد أن الوضع العربي حساس إلى حد الانفجار، ولا مجال للسخرية أمام دماء تنزف، وشهداء يتساقطون، مشيراً إلى أن جرأته في الطرح لا تنتقص من احترام الآخر، ولافتاً إلى أن الحاجة لكوميديا تُجمع ولا تفرق باتت أمراً مُلحاً.
عما إذا كان المتلقي العربي يتقبل الكوميديا، أكد فراجين أن الكوميديا موجودة منذ فترة الستينيات، إلا أن النمط الشائع الآن هو المبني على النقد الساخر، وقال: تلقى الكوميديا الساخرة رواجاً أكثر من الكوميديا التجارية التقليدية، ولها تأثير كبير على الجمهور، وخصوصاً في زمن «السوشيال ميديا»، لافتاً إلى أن هناك شعرة فاصلة بين النقد والتجريح، وقال: أنا ضد التجريح، خاصة أننا كمجتمع عربي لدينا ضوابط ومحرمات، وفي البدايات كانت لدينا بعض الهفوات ولكن مع الخبرة أصبحنا نعرف أين نسير وأين نقف.
جرأة
وعن مدى جرأته في تقديم رسالته، قال: النقد يجب أن يكون فعلاً حقيقياً وجريئاً، وأنا لست مع ملامسة السلبيات أو إحاطتها من بعيد، لأن الكوميديا التي أعتمدها هي الساخرة المباشرة المبنية على الـ«ستاند اب» كوميدي، وهذا النوع يستدعي تسمية الأشياء بمسمياتها، وهذا هو أسلوبي، ومع ذلك فأنا أعرف حدودي جيداً، وأعي ما تسمح به العادات والتقاليد العربية. وأشار فراجين إلى أن الوضع السياسي الحالي حساس إلى درجة كبيرة، ما دفعه لتجنب موضوعات كثيرة، وقال: الوقت ليس مناسباً لنقاشها، فلا نستطيع أن نتعامل مع الدماء التي تسيل بسخرية، أو نتناولها بطريقة ساخرة، وأنا كفنان كوميدي معني بأن أُجمِّع ولا أُفرق، وبرأيي أننا كفنانين يجب أن نصل لمرحلة الحياد في ما نقدم، وأن يكون دورنا التجميع لا التفريق. وتلقى فراجين عروضاً من عدة قنوات للانضمام لها، إلا أنه رفضها لشعوره بأن لكل قناة أجندة خاصة، وقال: لا أريد أن أكون ضمن هذه الأجندة، بل أبحث عن متنفس مستقل، وساحة يلتقط فيها الشعب العربي أنفاسه، ويجد فيها نفسه.
وعبَّر عن رغبته في الانضمام لتلفزيون عربي مستقل يمتاز بمصداقيته ويحترم المشاهد، وقال: عيني على تلفزيون «أبوظبي» وأتمنى أن أكون جزءاً منه.
تهديد ووعيد
واعترف فراجين أنه تعرض للتهديد، وقال: تلقيت بعض رسائل من بعض المناصرين لداعش، بعد الحلقة التي قدمتها عن هذا التنظيم، لتصلني رسائل تكفيرية مملوءة بالشتائم والوعيد، ولكن ذلك لن يثنيني عن مواصلة رسالتي فيما أنا مقتنع به. وذكر فراجين أن جرأته لا تنتقص من احترام الآخر، لافتاً أنه كان أول من تناول داعش بشكل كوميدي ساخر، وقال: كنت أول من واجه داعش، حتى قبل ناصر القصبي، وعلى استعداد لتناول هذا التنظيم مرات ومرات لأني ضد توجهاته ومعتقداته.
فنان مرعب
وعن الحلقة التي تناول فيها الفنان حسين الجسمي، وأثارت استياء البعض، قال: أنا من أكثر المعجبين بالجسمي، فهو فنان خلوق ومتواضع، وما قدمته كان مزحة بالغ الناس في تناولها، ولكن يبقى الجسمي من أهم الفنانين، وهو بالنسبة لي فنان «مرعب» بإبداعه.