تتجلى قوة الموسيقى الكلاسيكية بوضوح،عندما تتناول عازفة الكمان المولدوفية باتريشيا كوباتشنسكايا آلة الكمان وتبدأ بالعزف عليها، فتستقطب القلوب، بغض النظر عن كونها حافية القدمين، أو تدندن خلال مصاحبتها بالعزف للفرقة الموسيقية.
يؤكد جمهور باتريشيا البالغة من العمر تسعة وثلاثين عاما أن ما يجذبهم إضافة إلى أدائها المميز هو تلك الكاريزما القوية وتعابير وجهها التي تظهر إحساسها خلال العزف.
وعزفها المحلق عالياً هو ما جعل العالم يطلق عليها لقب «طفلة الكمان الجامحة» وربما لأن رواد الموسيقى الكلاسيكية أطلقوا عليها هذه الصفة، فإن عربات الجمهور تتراكم عند أبواب قاعة الحفل، و هي تلقى الكثير من الثناء، فضلا عن تعدد عقود التسجيل. ويقول أصدقاؤها والمتعاونون معها إن سر الإقبال الجماهيري عليها يتأتى من سحرها وجاذبيتها.
وعادة ما يقول كثير من المتابعين لها إنها تتحدث بالطريقة ذاتها التي تعزف بها، حيث قسمات وجهها تبدو متفاعلة مع الحديث عن الموسيقى. وغالباً ما تستخدم عبارات شعرية لوصف كل شيء، بدءاً من استيقاظها في صباحها الباكر وصولا إلى استعدادها لأداء إحدى معزوفات بتهوفن.
حافية القدمين
وقال كيو يونغ كيو، المدير الفني وعازف الكمان الرئيسي في فرقة سانت بول: «لقد قيل الكثير عن عزفها حافية القدمين». ومن الجوانب المساندة لشخصية باتريشيا أنها تعيش في منزلها مع زوجها لوكاس فيرز، طبيب الأعصاب المتقاعد، والسياسي السويسري السابق وعازف التشيلو الهاوي، وابنتها البالغة من العمر عشر سنوات.
لكن رغم هذا الاستقرار إلا أنها غالباً ما تتنقل بين مختلف الدول بسبب أعمالها. وتقول باتريشيا عن حياتها: «أنا أعيش يوماً في استراليا، واليوم التالي في ايطاليا..
وبالتالي فإنك تذهب من طقس إلى آخر مختلف»، وقالت باتريشيا خلال نزهة نادرة لها في شوارع العاصمة السويسرية مع الدكتور فيرز في يوم ممطر: «تؤدي عرضاً ما في مكان ما ثم تنتقل إلى مكان مختلف طبيعته المناخية مختلفة تماما، وهو ما يؤثر أيضا في كماني».
وقالت:«كوني مهاجرة فإن هذا أمر في غاية الأهمية لأن الهجرة أمدتني بخبرة كبيرة جدا لا يمكنني التخلي عنها»، وقالت ذلك عاكسة الأمر على حياتها خلال سنوات المراهقة في النمسا. وأضافت «تعلم الجانب المظلم من الحياة وبالتالي فإنك تصبح ممتناً جداً للحياة».
ودخلت الفنانة المولدوفية في عمر السبعة عشر عاما أكاديمية فينا للموسيقى..
حيث درست العزف على آلة الكمان، وألفت قطعها الموسيقية بنفسها، وتفعل ذلك أحيانا وهي تركب الترام عائدة من المدرسة. وعندما كانت في سن الواحد والعشرين فازت بمنحة إلى «هاتشول در كانست بيرن»، وفي عام 2002 بجائزة «الفنان السويسري الصغير». وساعدتها هذه الجائزة على الوصول إلى مكانتها العالمية الحالية.
وقال كيم من فرقة سانت بول: «إنها أرادت العثور على شيء جديد في اللحظة التي تعزف بها الموسيقى، وهو ما يجعلها مرتجلا عظيماً». وباعتبار أن روح العمل شيء يأسر الفنانين والمؤلفين والموسيقيين والملحنين قال جيليان مور، مدير الموسيقى في مركز لندن ساوث بانك: «هناك شيء فيها يجعلك تعتقد أنها ألفت موسيقاها بنفسها».
أفكارغير تقليدية
وتشتهر باتريشيا كوباتشنسكايا بأن لديها أفكارا غير تقليدية عندما يتعلق الأمر بالبرمجة. وفي ابريل الماضي التقت مع قائد فرقة سانت بول وجمع الاثنان بين المقطوعتين الموسيقيتين «هاينريش بايبر لعام 1673» و«باتاليا» مع «بلاك انجلز» وكلتاهما مقطوعتين موسيقيتين عن الحرب.
وفي كتابات النقاد عن هذا المزج قالوا إن: «الناتج من هذا الدمج ربما كان بإمكانه أن يكون منفراً، إلا أن ملحمة حقيقية بدت هناك».
وقال كيو كيم يونغ، المدير الفني لفرقة سانت بول:«لقد أردت اعطاءها فرصة كي تخرج طاقتها، وتحدثنا أنا وهي مرات عدة عن كيف تكسر هذه الحركات، وسألتني في تلك المرحلة ما إذا كانت الموسيقى التي تؤلفها مجنونة إلى هذا الحد؟، فأجبت نعم ويجب أن نستخدمها، لأنها قطعة موسيقية مجنونة، إلا أن هذه الصفة هي نوعا ما جعل تأليفها على أهمية خاصة».
قوة الموسيقى
يبدو أن كوباتشنسكايا أيضا ممن يستمتعون بالدفع بالحدود المرسومة لتأليف الموسيقى، وهذه هي القوة التي تحويها الموسيقى. وتفتح شهيتنا لشيء ما لا يمكننا أن نعبر عنه بالألفاظ. والموسيقى تعبير عن كلمات أخرى لا نعرفها، ولا نسمعها في لغتنا، والموسيقى ذات ارتباط كبير بالعواطف.