لأن الفن هو الجسر الذي يربط بين الشعوب، قائد الأوركسترا العالمي نادر عباسي، أراد أن يتخطى الخلافات السياسية والاجتماعية، ويجعلهم يجتمعون من جديد، ليس على طاولة لحل أزمات لا تنتهي وإنما على المسرح، من خلال أوركسترا الاتحاد الفلهارموني، التي تضم أكثر من 75 عازفاً من مختلف المناطق العربية، يعزفون الموسيقى العربية والكلاسيكية القديمة الممزوجة بالمعاصرة.
العازفون الغرباء
عباسي خلال قيادته العديد من الأوركسترا في أوروبا لاحظ وجود، عدد من العازفين العرب المحترفين، الذي لا نعرف عنهم شيئاً، رغم قدراتهم المذهلة في العزف، آنذاك تولدت الفكرة لديه ليعمل على توحيد هؤلاء المحترفين معاً، ليبين للعالم أن العرب يمتلكون مواهب مذهلة وقادرة على التفوق، ولكن نظراً لأن الجنسية العربية تقف عائقاً في الخارج أمام تقدم الكثيرين، فكانت فكرة عباسي جمعهم معاً على مسرح واحد ليبهر العالم بموسيقاه، وكذلك حينما تم ترشيحه لقيادة أوركسترا السلام الدولي في فرنسا والذي يضم مختلف الجنسيات التي تعاني دولها من خلافات سياسية، حيث أرادوا تجميعهم على خشبة مسرح واحدة، لكي يعزفوا معاً، ويؤكدوا أن الفن فوق أي خلافات، هذه المراحل التي مر بها، جعلته يمضي قدماً في تأسيس أوركسترا الاتحاد الفلهارموني.
عباسي أشار إلى أن أفضل مكان يمكن للاوركسترا أن تظهر فيه للمرة الأولى هو «دبي أوبرا»، مؤكداً أنه يتفاوض حالياً على أن تكون انطلاقة أوركسترا الاتحاد الفلهارموني من على مسرح دبي أوبرا، متوقعاً أن يحقق نجاحاً باهراً فيها.
لحن الوعي
يشير عباسي إلى أن افتتاح «دبي أوبرا» سيعمل على رفع وعي المواطن العربي، بأهمية الموسيقى وستجعله أكثر تذوقاً لها، فالموسيقى على حد قوله، ليست ترفيها كما يراها العالم العربي، وإنما هي أحد محاور التربية الأساسية، التي تجعل الطفل منذ الصغر يتذوقها، ويرى الأشياء من منظور عميق. مسجلاً استياءه من الطريقة التي يتعامل بها المسؤولون عن الموسيقى في مصر والتي تختلف تماماً عن أوروبا، مبيناً أن أوروبا تنظر إليهم كثروة لابد من المحافظة عليها، بينما يعاني الموسيقيون في مصر من الإهمال سواء من جانب الأماكن أو الآلات التي يعزفون عليها، وعدم منحهم حقوقهم الكاملة وعدم تسليط الإعلام الضوء عليهم، مثل المغنين والممثلين، على الرغم من أهميتهم الكبيرة.
رحلة الصعود
وعن كيفية وصوله لمكانته الفنية في أوروبا يقول: لم يكن الأمر سهلاً، وكان أمامي هدف يتمثل في العمل على نفسي في كافة المجالات، حتى أكون متميزاً، وعملت في أوروبا بمجالات العزف والغناء والقيادة وكذلك العمل مع أشهر عازفين ومغنين في أوروبا في مجال الأوبرا، والموسيقى العالمية وكل ذلك منحني خبرات كثيرة، حيث كنت العربي الوحيد كعازف «فاجوت أول» لأوركسترا جنيف للحجرة، وعازف فاجوت أول للمجموعة الصوتية والأوركسترالية لوزان (سويسرا) ميشيل كوربو، وعندما رشحت قائد أوركسترا لبتهوفن، لاحظت نظرة الاستغراب في عيونهم، ولكن بمجرد بداية العرض تحولت تلك النظرة إلى احترام وتقدير«. ويضيف: تم اختياري في فرنسا لقيادة أوبرا كارمن وهي في الأساس للمؤلف الفرنسي جورج بيزيه وعرضت لأول مرة في»المسرح الوطني للأوبرا المسرحية«في باريس.
حب الجماهير
أهم جوائز حصل عليها عباسي خلال مشواره هو حب الجمهور، وسعادته تبدو عندما يرى إقبالاً على سماع الموسيقى الكلاسيكية، والذهاب للأوبرا. ويقول عباسي: هناك واقعتان لا يمكنني نسيانها، الأولى عندما كنت قائداً لحفلة أقمناها في السجن، والتي لاحظت فيها تجاوباً كبيراً، وبعد سنتين أوقفني رجل في الشارع وأخبرني أنه بعد خروجه من السجن بدأ بزيارة الأوبرا، وجعل أولاده يتعلمون الموسيقى وقتها شعرت بسعادة لا توصف، وبقدرة الموسيقى على التغيير، والأخرى وأنا في»خان الخليلي" بمصر أوقفني شخص بسيط، وأخبرني أنه يحضر للأوبرا للاستماع بموسيقاي، ما أسعدني كثيراً، فالموسيقى ليست للنخبة وإنما لمن يرغب في تذوقها.