أسئلة كثيرة تتركها مشاهد مسلسل «بنت اسمها ذات»، المعروف اختصاراً باسم «ذات»، في ذاكرة المتفرج، في مقدمها: إلى أي حد يمكن للدراما أن تؤسس للذاكرة الجمعية في المجتمع؟
وبدا هذا المسلسل الذي اختتمت حلقاته قبل أيام على شاشة قناة دبي، التابعة لمؤسسة دبي للإعلام، مثل سمفونية درامية رصدت بين ثناياها، تحولات المجتمع المصري في 60 عاماً، معتمداً في ذلك، على خيوط رواية تحمل الاسم نفسه، للكاتب صنع الله إبراهيم.
مراجعة التاريخ
مسلسل «ذات» يعد واحداً من أبرز الأعمال الدرامية التي طفت على السطح خلال عرضه الأول في رمضان الماضي. وقيمة تاريخية ودرامية فردية يحوزها العمل توازي «ليالي الحلمية». فهو من الأعمال التي لا نحتاج فيها إلى متابعة أكثر من حلقتين لنقع تحت تأثير سحره، ليثير بداخلنا شغف مراجعة التاريخ المصري والعربي، بتأنٍ، ما يفسر ربما، سبب قدرته على شد انتباه الجمهور والنقاد، على حد سواء، فضلاً عن أنه أعطانا الفرصة لإعادة اكتشاف مواهب نيللي كريم وباسم سمره، اللذين قدما أدوارهما بجداره وبتمكن لافت، بدت معهما قدرتهما على تنويع أدواتهما في ظل التحولات التي عاشتها شخصيات العمل.
ورغم أنه يصعب النظر إلى المسلسل الذي تولت كتابته مريم نعوم، كنص يوازي عمل صنع الله إبراهيم، الروائي، بقدر ما يجب التعامل معه كنص مجاور له. إلا أنه يمكن القول إن مريم تمكنت من تحويله إلى قطعة درامية مهمة، توازي أهمية «ليالي الحلمية»، إذ أنجزته بمقدار وعي كبير، ليتحول «ذات» إلى أشبه بجدارية ضخمة تحمل بين ثناياها أبرز التحولات التي تعيشها مصر منذ ثورة يوليو 1952.
أرشيف الصحف
المدقق في تفاصيل العمل، يشعر بأن مريم استطاعت أن توازن بين سيرة «ذات» (نيللي كريم)، والتغيرات التي أصابت المجتمع المصري، فكما دعم صنع الله إبراهيم روايته، بنصوص وتقارير مأخوذة من أرشيف صحف ومجلات مصرية للدلالة على تلك التغييرات، حاولت مريم نعوم ترصيع العمل بمجموعة علامات بصرية مهمة توثق مثلاً لدخول التلفزيون إلى البيت المصري، وانتشار ثقافة الفيديو ومسلسلات الفوازير، والتي مثلت سمة لعقد الثمانينات في القرن الماضي. وفي المقابل، نجدها حاولت إضفاء سمة معاصرة على العمل، من خلال لجوئها إلى تخيل أحداث وشخوص لم يكن لها مكان في رواية صنع الله إبراهيم، الصادرة عام 1992، بهدف تغطية الأحداث التي وقعت في ربع القرن الأخير، وصولاً إلى ثورة 25 يناير الأخيرة.
أحداث مهمة
صورة العمل الدرامية، مزجت بين مشاهد صورها الأبطال. وأخرى أرشيفية لكافة الأحداث المهمة، من سياسية واقتصادية وغيرها. فهي لم تغفل وفاة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم.. أو جنازة عبدالحليم حافظ وما أصاب المجتمع المصري آنذاك، من حالة حزن عامة. وكذلك لقطات من انتفاضة 1977 ضد غلاء الأسعار، والتظاهرات الطلابية والبانورامية للمجتمع المصري في تلك الفترة.