للأماكن ذاكرة قوية ترويها العمائر، وحجارة الجدران، فهي مكتوبة بأيدي البنائين المهرة، وخطى كل من مروا وعاشوا فيها، إذ لا تحتمل ذاكرة الرواة والمؤرخين حكايات ملايين الأشخاص الذين كان للمكان حكاية معهم، فالمكان مثلما ظل فيلسوف الجماليات غاستون باشلار يقول: «إن البيت العتيق، بالنسبة لأولئك الذين يحسنون الإصغاء، هو كيان هندسي مصنوع من الأصداء، حيث تبدو أصوات الماضي مختلفة في الحجرة الكبيرة، عنها في حجرة النوم الصغيرة، كما أن صوت النداء من فوق السلم مختلف عن كليهما»، ذلك تماماً ما تروية منطقة الفهيدي في دبي القديمة، حيث يتجاور السوق بكل ما يعج به من السياح والزائرين مع الأبنية التاريخية والبيوت ذات البراجيل التي ظلت حتى اليوم شاهدة على أكثر من مئة وعشرين عاماً من الزمن.
حكايات تراثية
منطقة الفهيدي تقدم صورة واضحة المعالم للتراث كوجهة في مدينة تتسارع فيها الأبراج علواً، وتمتد فيها الطرق السريعة لتصبح اليوم واحدة من أكثر المدن العربية عصرية وحداثة، وتقدم حكاية تراثية غنية ترويها أزقة المنطقة وجدران بناياتها، فالباحث في تاريخ الفهيدي يجد سيرة طويلة للكثير من العائلات التي أحبت المكان، ورائحة البحر فيه، للحد الذي بنت بيوتها، وفتحت متاجرها ومطاعمها فيها، فليست الفهيدي حكاية إمارة دبي القديمة، بقدر ما هي تاريخ عائلات كبيرة صاغت حكاية المكان ونسجت موروثه مثلما هو اليوم ماثلاً في الأبواب الخشبية المنقوشة، والنوافذ العالية، والطرقات المرصوفة بالحجر، وروائح التوابل، وأقمشة الحرير والكتان التي ترسم عالماً ساحراً فتن عشاق دبي ورسم لهم تاريخاً غنياً لكل ما يظهر اليوم من حياة متسارعة.
سيرة المكان
تكتب البراجيل، والبيوت الحجرية، والأزقة الضيقة، وأشجار الحناء والدوم، سيرة المكان بكامل تفاصيله، فتفتح باباً كاملاً على حكاية العائلات التي استوطنت المكان، وبنت فيها البيوت ذات الطابع الخاص، إذ يروي تاريخ هذه المنطقة وفق المراجع التاريخية أنه «يعود تاريخ إنشاء المنطقة إلى حوالي عام 1890، كما أن التراث العمراني فيها يوجد على هيئة مبانٍ منفصلة، أو على شكل مجموعة من المباني، وقد كانت تسكنها عائلات غنية قدموا من مقاطعة بستك، من الساحل الغربي للخليج العربي».
وتؤكد الباحثة الألمانية فراوكه هيرد - باي ذلك التاريخ في كتاب لها حول الإمارات العربية المتحدة إذ تقول: «مُنح المهاجرون من بستك ومناطق أخرى من الساحل الغربي للخليج، منطقة تقع مباشرة إلى الشرق من حصن الفهيدي في دبي لبناء منازل لهم فيها.
وكان ذلك الموقع قريباً من الخور الذي يسمح بتفريغ حمولة المراكب، وقريباً من سوق دبي أصبح مرغوباً به. وقد شكل الحي الجديد الذي حمل اسم بستكية نسبة إلى منطقة بستك التي جاء منها سكانه، دليلاً على الازدهار الذي تمتع به أولئك السكان منذ أن أقاموا في دبي» بإذن من الشيخ سعيد بن مكتوم بن حشر (1912 - 1958م).
خصوصية تاريخية
وتقدم بلدية دبي سيرة عن المنطقة وتجعل منها محطة سياحية غنية، فيرد في تعريفها: إنها «تقع في بر دبي وتمثل أحد المعالم التاريخية التي تميز مدينة دبي، ويعود تاريخ إنشائها إلى حوالي عام 1890م وتمتد محاذية للخور لمسافة ثلاثمائة متر وبعمق مائتي متر نحو الجنوب، وتبلغ مساحتها حالياً 38000 متر مربع، وتحتوي على مبانٍ تقليدية من طابق أو طابقين ذات قيمة تاريخية وغنية بعناصرها المعمارية مثل البراجيل والأعمدة والتيجان والزخارف الخشبية والجصية المميزة، والتي تشكل تكويناتها المعمارية والعمرانية، وقد بدأت أعمال الترميم عام 1996م، وفق برنامج زمني مدروس لإعادة تأهيل كامل المنطقة لخصوصيتها العمرانية والمعمارية، وتقرر أن تكون منطقة تنشيط للسياحة تحتوي على المتاحف والمراكز والمعارض والفنادق والأسواق التقليدية وغيرها».
معالم
اليوم تزخر المنطقة، بالمعالم التراثية، ومناطق الجذب السياحي، إذ تجمع أهم المراكز الثقافية، والأسواق التراثية، ويعد قصر الحاكم التاريخي أبرز المعالم الحاضرة فيها، فيجد الزائر المتجول فيها، أنه أمام سيرة معمارية راسخة، شهدت الكثير من التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية التي تكشف تاريخ دبي المدينة بكل معالمها التاريخية.