تميزت الدورة الرابعة عشرة من مهرجان أيام الشارقة التراثية بالكثير من المنجزات والمبادرات المغايرة عن غيرها من الدورات السابقة، إذ جاءت بالتزامن مع حصول الشارقة على عضوية المجلس التنفيذي لإيكروم «المركز الدولي لدراسة صون الممتلكات الثقافية وترميمها»، وإطلاق أسابيع التراث العالمي، إضافة إلى إطلاق جائزة الشارقة للتراث الثقافي، وإصدار مجلة متخصصة في التراث الإماراتي تحمل عنوان «الموروث».

وضم المهرجان، الذي ينظمه معهد الشارقة للتراث في الشارقة، سلسلة من الأنشطة والمبادرات اللافتة، ما جعل منه كرنفالاً متنوعاً للتراث، حيث استضافت الأيام دولة مقدونيا ضيف شرف للمهرجان، وركز أنشطته على التراث الإماراتي وما يماثله من التراث الخليجي، إضافة إلى حرصه على مشاركة نماذج من تراث البلدان العربية والإسلامية، ووسع نطاق فعالياته خارج قلب الشارقة، لتمتد الأنشطة إلى المنطقة الوسطى والشرقية للإمارة.

برنامج زاخر

وجاء برنامج فعاليات المهرجان زاخراً بالأنشطة والفعاليات الموزعة في موضوعاتها على التراث الشعبي، إلى جانب مختلف الفعاليات ذات الطابع الأدبي والفني، فقدم المهرجان فعالياته في قلب الشارقة على أربع ساحات محددة، هي ساحة العرصة، وساحة التراث، وساحة القصبة، وساحة المجلس التراثي، مستضيفاً بذلك أكثر من أربعين مطعماً شعبياً تقدم مختلف الوجبات الشعبية المحلية والتقليدية في البلدان المستضافة، إلى جانب 40 كشكاً مخصصاً لعرض المنتجات التراثية، وتقديم الحرف، والمهن القديمة، ومختلف أشكال الصناعات التقليدية.

ليس ذلك وحسب، فحرص المهرجان على دمج مختلف المؤسسات الرسمية، والأهلية في نشاطاته، ففتح المجال أمام الكثير من الجامعات، والمراكز الثقافية الرسمية والأهلية، وهو الأمر الذي شكّل إضافة نوعية.

ترفيه ومتعة

ونجح المهرجان في عرض مختلف أشكال التراث المادي والمعنوي للإمارات، فإلى جانب المساحة المخصصة للمطاعم والأكلات الشعبية، استضاف المهرجان أكثر من عشرين فرقة شعبية قدمت عروضها الفنية طول الأيام السبعة عشر للمهرجان، ووفرت خلالها أجواء من الترفيه والمتعة المرافقة لمختلف الفعاليات الثقافية المقامة في المهرجان.

وخصص المهرجان محطات مميزة داخل ساحة التراث لعرض البيئات التراثية للإمارات تحت مسمى قرى الحياة التراثية، تعكس الحياة في البيئة الساحلية، والصحراوية، والزراعية، وغيرها من البيئات.

وقدم المهرجان في دورته لهذا العام الكثير من العلامات الفارقة، والفعاليات المميزة التي تكشف عن نهوض وتطور في مستوى المهرجان، وتوسع في الرؤية، فخصص مقهى الأيام الثقافية في البيت الغربي لمناقشة القضايا الفكرية والبحثية المتعلقة بالكثير من الموضوعات التراثية والثقافية ذات البعد المحلي والعربي.

مجلة «الموروث»

وأعلن معهد الشارقة للتراث ضمن فعاليات المهرجان عن إطلاق مجلة فصلية تراثية محكمة تحت عنوان «الموروث»، تشكّل رافداً جديداً للمعنيين بالتراث الشعبي، وتخصص مساحة بحثية لدراسة الكثير من الموضوعات المتعلقة بالتراث الشعبي، بكامل محموله المعماري والشفهي والمادي وغيره، حيث ركز المهرجان لهذا العام على الجانب الفكري والبحثي المتعلق في التراث، وفتح المجال أمام الباحثين للمشاركة بدراساتهم وبحوثهم في المجلة، وفق ما جاء في افتتاحية العدد الأول من المجلة.

ومن العلامات المميزة التي استضافها المهرجان لهذا العام مبادرته في تجسيد تاريخ أول مستشفى توليد في الشارقة الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1952، وهو مستشفى سارة هوسمان، حيث جسّد المهرجان نموذج المستشفى، ووضع لوحة جدارية تمكّن من ولد في المستشفى أن يكتب اسمه وتاريخ ميلاده، ليحصل على هدية رمزية تحيي ذاكرة المكان التاريخي، وتوثق للحياة الشعبية قبل ستة عقود ماضية.

ويكشف تاريخ المستشفى أنه كان بيتاً للشيخ محمد بن صقر القاسمي، نائب حاكم الشارقة آنذاك، والد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، حيث منحه للدكتورة سارة، وعملت فيه سنوات حتى أوائل تسعينيات القرن الماضي.

ألعاب شعبية

ولم يغب تاريخ الألعاب الشعبية الإماراتية عن المهرجان، إذ لم يكتفِ المهرجان بمجمل الألعاب التي تعرضها الأكشاك الموزعة في ساحة التراث، وإنما أعلن عن إطلاق مجلس لعبة الداما في سوق العرصة، حيث جاء افتتاح المجلس بالتزامن مع انطلاق بطولة الداما الأولى لدول الخليج، والإعلان عن الفائزين وتكريمهم، وتعد الداما لعبة شعبية قديمة.

إلى جانب ذلك، خصص المهرجان قرية مجهزة للأطفال، قدم خلالها سلسلة من الفعاليات والأنشطة المتعلقة بألعاب الأطفال الذهنية والجسدية التي تعيد إلى أذهانهم الكثير من الألعاب القديمة التي عرفتها الثقافة الشعبية المحلية، فجمعت القرية بين الترفيه والثقافة، وفتحت أمام الزوار من الأطفال فرصة للتعرف إلى أشكال الترفيه التراثية.

أما ضيف شرف المهرجان «مقدونيا» فشهد الحي المخصص لفعالياته في ساحة القصبة إقبالاً جماهيرياً كبيراً من مختلف الجنسيات، وعلى مختلف الأجنحة وأركان وأقسام الحي، حيث يضم الحي محلات لحرف تراثية مقدونية، ومأكولات شعبية، وشكّل الحي فرصة أمام الزوار للتعرف إلى الكثير من ملامح التراث المقدوني.

مكتبة الموروث

إطلاق معهد الشارقة للتراث «مكتبة الموروث» جاء لتعزيز الجانب البحثي والتأصيلي المتعلق في التراث، حيث شهدت المكتبة بفرعها في قلب الشارقة إقبالاً من قبل الباحثين والزوار والضيوف وعشاق التراث والمهتمين الزائرين لفعاليات المهرجان. وتضم المكتبة أكثر من 5 آلاف كتاب متخصص بالتراث، منها مصادر ومراجع عدة، ويمكن لها استيعاب أكثر من ألف عنوان آخر، وهناك أماكن مخصصة للقراءة والمطالعة، والتعرف إلى نوادر العلوم وفرائد الكتب.