شكلت الحكاية بشكلها القصصي الموروث، المروي منها، والمسرود، والمكتوب، واحدة من المرجعيات الأساسية في بناء النص الشعري العربي، حيث أنتج شعراء كثر من الفن القصصي أسلوباً في بناء قصائدهم، فجاءت النصوص الشعرية قائمة على الحدث المتنامي، والحكاية المتتابعة، والذروة، والانتقال بين الحوار والسرد، وغيرها من فنون كتابة القصة.
يؤكد ذلك تجارب الكثير من الشعراء العرب منذ الجاهلية حتى اليوم، إذ بات الأسلوب القصصي تقنية فنية يوظفها الشعراء، ويبنون عليها قصائدهم، ولم يقتصر ذلك على الشعر الفصيح وتاريخه الممتد، وإنما ظهر في القصيدة الشعبية، واستخدم الشعراء هذا الأسلوب كثيراً في ارتجالاتهم الشعرية حتى بات ملمحاً واضحاً في القصيدة الشعبية، وبات أسلوباً في سرد حياة الشعراء، ومواقفهم، وأسفارهم، وخصوماتهم، وغزواتهم، وغيرها الكثير من شؤون حياتهم.
بناء قصصي
ويمكن تلمس هذا الملمح الأسلوبي في القصيدة الشعبية الإماراتي بصورة واضحة، إذ انشغل الشعراء الإماراتيون كغيرهم من الشعراء العرب، برواية مواقف حدثت لهم، وتوثيق احداث جرت في سيرتهم، وسرد قصصهم في العشق والغرام، فكان البناء القصصي علامة لافتة في الشعر الشعبي المحلي.
يظهر ذلك عند الوقوف على نماذج من أبرز الشعراء الشعبيين، فالباحث في تجاربهم يجد تنويعات متعددة للأسلوب القصصي في نصوصهم الشعرية، ويعثر على أساليب خصوصاً، وظفها بعضهم بخبراته الإبداعية في بناء الحكاية الشعرية، فلا يظهر في القصيدة الحدث المتابع، أو الذروة، أو الأبطال، أو حتى الحوار والسرد، وإنما يجد المعاين للكثير من القصائد، إحالات على أحداث جرت في الماضي يستند عليه الشاعر وكأنه يستخدم أسلوب الاستدعاء في فن القصة.
ويمكن قراءة ذلك وأكثر في نماذج من الشعر الشعبي الإماراتي القديم والمعاصر، فالمعاين لقصيدة الشاعر خميس المزروعي التي يستهلها بقوله: «البارحة يوم الخلايق ينامون»، يجد الكثير من سمات النص القصصي في القصيدة، ويجد أن الشاعر كتب قصة موزونة، ليس أكثر، إذ يقول:
البارحة يوم الخلايق ينامون
جفني جفن نوم العرب ما يوابله
لا أرقد ولا أغضي مع اللي يغضون
ولا عرفت أول يومي من قوايله
شفني من الهجران ما شيل ما عون
حالي نحل والحيل نست فصايله
أنا أختال وأرابي مع اللي يرابون
بعيد المسافة لي نجاته زمايله
ولوما محاتي في القفالي يسبون
ويقولون ذا مجنون بانت فعاليه
مفاتيح الحكاية
تنكشف ملامح الأسلوب القصصي منذ الشطر الأول للقصيدة، إذ يفتتح نصه بتحديد الزمن، الذي هو النتيجة الحتمية لحدث لاحق، فقوله: «البارحة يوم الخلايق ينامون»، أوجب عليها استحضار حدث الحكاية، والمتمثل في «جفني جفن نوم العرب ما يوابله»، وهو بذلك يستخدم واحداً من الأساليب التي عرفتها الحكاية العربية في مدونة التراث الأدبية، حيث ظل الاستهلال بالزمن للشروع في السرد أحد مفاتيح الحكاية العربية.
ويتواصل الشكل القصصي للقصيدة في توصيف الشاعر لحالة سهره وسهاده بسبب حالة الهجران التي يفترق فيها عن محبيه، ليشكل بذلك أساساً لكل حكايته ويومياته مع أهله، وترحاله، ومشاعره تجاه بلاده، وعلاقته مع أصدقائه.
الأمر ذاته لكن بتجليات مختلفة في قصيدة للشاعر سعيد بن عتيق الهاملي، إذ تنكشف معالم القصة في قصيدته بصورة أكثر وضوحاً فيستهل أحد نصوصه بـ«فزيت غافي...»، حيث تأتي قصيدته في باب التشكي يحاول فيها رواية قصة تعبه وبحثه عن الإجابات لضعف حاله، وقلقه، فيقول:
فزيت غافي لي في نومه دهم
صاب القلب اختلافي أمر ما ينكتم
سرت أنشد العرافي عن موفين الذمم
قال الجناب الوافي هو راس المحتشم
قلت أوصول الخطافي وملاقاة النسم
يبري حشيدا رضافي وهايوس مرتضم
قم رد اليه عوافي حول عليها اجدم
شقر وبرهن صافي وطي ايديهن عسم
توثيق
يمتثل الشعر الشعبي لمفهوم التوثيق، وسرد الأحداث في الأسلوب القصصي، في الكثير من نماذج الشعر الشعبي المحلي، فقصيدة الشاعر محمد بن علي الكوس التي قالها بمناسبة اجتماع مجلس التعاون السابع لحكام الخليج العربي في أبوظبي، تمثل نموذجاً حياً على هذه الأساليب الشعرية، ويقول الكوس في القصيدة:
أبديت بالله لي جمع شمل الاخوان
العالي العالم خفيات لصدور
لي ترتجي منه المخاليج غفران
يا رب يا من عنده الذنب مغفور
البارحه جفني جفا النوم سهران
بايت أسادي مزملي واكتب اسطور
من عقب ذا يا طارشي دوك عنوان
وارحل هداك الله ذا اتوضح النور
إلى ديرة السامي إلى نجل سلطان
الشيخ زايد بو خليفه المشهور
ويظهر أسلوب القص في القصيدة من الشطر الذي يستهل به نصه، إذ يبدو وكأنه يروي حكاية على مجموعة من المستمعين، فيبدأها بالبسملة، حيث يقول: «أبديت بالله لي جمع شمل الاخوان»، ثم ينتقل إلى الحدث الانتقالي الذي يشرع منه في رسم صوره الشعرية، والمتمثل بقوله: «البارحه جفني جفا النوم سهران».