لم يتوقف الباحثون والمعنيون في التراث الإماراتي عن شحذ الجهود اللازمة لحفظ الإرث الشعبي للدولة، وتجلى ذلك خلال العقدين الأخيرين من الزمن..
حيث شهد الحراك الثقافي ولادة العديد من المؤسسات المعنية في حفظ التراث، وتشكل العديد من المراكز والمؤسسات الأهلية التي تهدف إلى إحياء التراث بوصفه واحداً من ركائز الهوية الوطنية للدولة.
بالتزامن مع ذلك كانت الجهود تمضي بشكل متسارع من قبل الباحثين والمهتمين في جمع التراث الإماراتي، وتقديم البحوث والدراسات حوله، فظهرت عشرات المؤلفات في الألعاب الشعبية، والصناعات، والحرف القديمة، إضافة إلى المدونات التي سجلت التاريخ الشفاهي بكل ما يحمله من أشعار وحكايات شعبية..
ومرويات تؤرخ لحضارة المنطقة خلال المئة سنة الماضية. لكن الإشكالية التي ظلت تواجه مثل هذا النوع من البحوث والدراسات هي المرجعيات الأكاديمية والمنهجية التي تستند إليها، إذ يؤكد عدد من الباحثين استطلعت "البيان" آراءهم، أن الكثير من الدراسات والمؤلفات الصادرة في حقل التراث، لا تعدو عن كونها كتب تسجيلية تجمع المرويات والحكايات ولا تستند إلى المنهاج العلمي في تقديمها.
ويشدد الباحثون على خطورة مثل ذاك النوع من المؤلفات والدراسات، إذ يرى بعض الباحثين أن تلك الكتب ستشكل مراجع يعود إليها الدارسون خلال السنوات العشر المقبلة، فإن كانت تعاني من الضعف، وعدم مصداقية، فإن الكثير من المؤلفات ستبنى على معلومات ومرجعيات غير دقيقة وبالتالي ستضر التراث الإماراتي أكثر مما تخدمه.
اجتهادات
حول ذلك يقول مدير مركز الدراسات والوثائق في دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة د. علي عبد الله فارس إن الاجتهادات التي تصدر عن العديد من الباحثين في مجال التراث الإماراتي يشكروا عليها فهي جهود ذاتية قصد أصحابها توثيق التراث القديم لدولة الإمارات الذي بات يندثر رويداً رويداً في ظل الهجمة الشرسة في الثورة المعلوماتية..
إلا أن أغلب هذه الاجتهادات تعاني من عدم الدقة، والتحري، وتفتقر إلى الأسلوب العلمي الرصين، لذلك ينبغي الأخذ بيد أصحابها لتعزيز قدراتهم في البحث والجمع والتوثيق.
وأضاف مقابل تلك الدراسات تظهر العديد من المؤلفات المحكمة والمستندة إلى مرجعيات موثوقة، فنحن في مركز الدراسات والوثائق برأس الخيمة لنا تجارب عدة مع باحثين في مجال التراث الوطني الإماراتي من خلال تبني مركزنا طباعة أبحاث في هذا المجال منها كتاب (من الماضي العريق .. حكايات تلتحم مع قلبي) للباحثة شيخة علي محمد الخيّال النعيمي..
حيث طرحت الباحثة من خلاله وبأسلوب أدبي شيق صورة الحياة الماضية لسكان إمارة رأس الخيمة صيفاً وشتاءً عبر وصف دقيق ومميز لمنازلهم القديمة ومناسباتهم الاجتماعية المختلفة مستحضرة تلك الحياة بدقة متناهية مدعـــومة بالصور القديمة التي توفرت لها.
غياب المنهجية
ويختلف الباحث حماد الخاطري مع الرأي القائل بغياب المنهجية العلمية في تقديم البحوث التراثية، إذ يرى أن الأهمية في البحوث التراثية لا تعود على المنهج العلمي بقدر ما تعود على الوثيقة والمعلومة الدقيقة المستندة على وثائق وشواهد ومقارنة في الروايات تؤكد صحة المعلومة والنص التراثي المنقول، لافتاً إلى أن طبيعة البحث في التراث قائمة على تتبع الرواة ..
وتحري صدق وصحة الشهادات الواردة على لسانهم، فقد يتبع أحد الباحثين منهجاً علمياً في البحث لكنه يفتقر إلى المصادر في حين يسجل باحث آخر بحثه عبر وثائق رصينة وبالتالي تكون الأهمية والأولوية للباحث التسجيلي المستند إلى الوثيقة وليس المستند على المنهج فحسب.
قاعدة
لا يتخوف جمعة حمد بن صراي من الضرر اللاحق في التراث جراء غياب المنهج والأسس العملية إذ يرى أن المرحلة التي يمر بها التراث اليوم هي مرحلة تشكل قاعدة معلومات ضخمة يمكن إعادة تمحيصها والكشف عن الغث فيها والسمين، خلال السنوات المقبلة.
افتقار إلى المراجع الأصيلة والمُحققة
يرجع الدكتور حمد بن صراي أسباب غياب المنهجية العملية والأكاديمية في البحوث المتعلقة في التراث الإماراتي إلى جملة من القضايا، إذ يقول الكثير من الموضوعات التي يتناولها الباحثون اليوم في التراث الإماراتي لم تبحث من قبل، لذلك هم يفتقرون إلى المراجع الأكاديمية الأصيلة والمحققة، وهذا شأن أي مبحث علمي يطرح حديثاً، إذ ستشكل بحوثهم المقدمة اليوم مراجع لباحثين والدارسين القادمين.
ويفرق بن صراي بين جامع المادة التراثية، وبين الباحث، فيوضح أن أغلب من يعملون في التراث الإماراتي اليوم يعتبرون جامعين للمواد التراثية وليسوا باحثين، فالباحث هو المزود بالمرجعيات الأكاديمية والخطط والوسائل التي تمكنه من توثيق معلوماته بصورة علمية، فيما الجامع هو الشخص الذي يحمل مسؤولية تجاه تراثه فيحرص على جمع مواده خوفاً عليها من الضياع.
مادة حية
وتقدم الكاتب مريم جمعة فرج صاحبة المجموعة القصصة "ماء" رؤيتها فيما ينتج من مؤلفات بقولها يشكل التراث الإماراتي مادة أساسية وحية للعمل الفني والأدبي لذلك يهتم الكثير من الروائيين والقاصين والشعراء في البحث والمتعمق في تاريخ المنطقة وتراثها، وخلال قراءاتي في الكثير من الكتب الصادرة حول الحياة الاجتماعية للدولة قبل ستة عقود وجدت أن بعضها قائم على نقل المرويات بصورة مباشرة من الرواة الشفاهيين، والبعض الآخر يذهب إلى سرد ما سمعه من الرواة بشكل إنشائي محاولاً بذلك نقل الصورة التي كانت عليها الحياة وليس تقديم قراءات حولها.
مرويات شفاهية
وتتفق الروائية لولوة المنصوري صاحبة رواية "خرجنا من ضلع جبل" مع مريم فرج فيما ذهبت إليه، إذ تؤكد أنها خلال اطلاعها على العديد من المؤلفات في التراث الإماراتي المتعلق في رأس الخيمة، وذلك لتدعيم وخدمة اشتغالاتها الأدبية في حقل الرواية..
وجدت أن الباحثين يعتمدون نقل المرويات الشفاهية، ولا يطرحون تساؤلات حولها، أو يقدمون رؤى لأصلها وتاريخها البعيد، فتبدو الكثير من المؤلفات أشبه بالاستماع لأحد كبار السن الذين عايشوا مراحل من تاريخ الدولة.
مرحلة التدوين
ويشخص الباحث أحمد محمد عبيد واقع عمليات البحث والدراسة في التراث الإماراتي، إذ يرى أن حركة البحث في التراث الإماراتي لم تصل حتى اليوم إلى المستوى الأكاديمي الممنهج، وما زالت في مرحلة الجمع والتدوين..
وذلك يعود لأسباب عدة أهمها، غياب الأقسام المتخصصة في التراث في الجامعات والمعاهد في الدولة، إذ حتى اليوم لا يوجد أقسام أكاديمية متخصصة كما هو الحال في بعض الدول الرائدة في هذا المجال مثل كولومبيا، والولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي انحسار العمل في التراث على الجهود الفردية والجماعية غير المؤهلة بما يكفي.
استنطاق الرواة
وبين أن المتابع لعماليات البحث والجمع في التراث الإماراتي خلال السنوات الفائتة يجد أنها تعتمد على المصادر الأقرب للباحث، ولا تتحرى حول دقة المعلومات، وبالتالي جاءت أغلب البحوث قريبة من التدوين السريع، والتأثري، والسطحي بعض الشيء، الأمر الذي يشكل ضرراً واضحاً في التراث وليس خدمة له.
ويشير عبيد إلى عدد من الإشكاليات التي تواجه عمليات البحث في التراث الإماراتي بقوله تعاني عمليات البحث الإماراتي من غياب الباحث الميداني القادر على استنطاق الرواة الكبار، وتحرير المواد المجموعة منهم وتخليصها من الحشو والإنشاء الفائض، وغياب الباحث الأكاديمي الذي يساند الباحث الميداني في عمليات ترتيب المواد التراثية لتتحول من مروية شفوية متعثرة، إلى نص مكتوب قابل للقراءة، وفي الوقت نفسه غياب الباحث التحليلي الذي يملك أدوات الربط والمقارنة والتأويل.
مسؤولية
الباحث حماد الخاطري يعتبر أن المسؤولية الأهم اليوم هي ليست الوقوف عند المنهج بقدر ما هي الجمع والتسجيل، إذ تشهد هذه السنوات الجيل الأخير من الرواة الشعبيين، الأمر الذي يجعل من التسجيل أولوية قبل أي شيء، وإلا سيقف الباحثون بعد عقد من الزمن أمام غياب كامل للوثيقة الحية والشاهد المعاصر.