حتى بالنظر إليها من مسافة بعيدة، فإن السفينة «تشيكيو» اليابانية تبدو سفينة غير عادية، وذلك يرجع إلى حجمها الهائل، الذي يبلغ ضعفي حجم ستاد ويمبلي، وبارتفاع ينوف عن بناية مكونة من ‬30 طابقاً، وإلى التركيب الغريب والتفاصيل المثيرة التي تحويها السفينة، فالناظر إليها يحسب أنها مجهزة، بهذا الشكل الفريد، لكي تكون منصة إطلاق لمركبات فضائية، لكنها في الحقيقة مصممة للوصول إلى مكان أكثر خطورة وصعوبة من الفضاء، ألا وهو باطن الأرض.

وتتكون السفينة من برج داعم لحفار من المقرر له أن يغوص إلى أعماق تستعر ناراً في باطن الأرض، وتزخر بالنشاط الإشعاعي القاتل، وضغطها قادر على سحق كل شيء.

«تشيكيو» في اليابانية تعني «الأرض»، والسفينة، التي بنيت بتكلفة بلغت ‬300 مليون جنيه إسترليني، ستقوم بحفر القشرة الأرضية، في محاولة منها للوصول إلى طبقة الوشاح (وهي الطبقة التي تلي طبقة القشرة وتبلغ سماكتها ‬2890 كيلومتراً)، ويعتبر هذا التحدي هائلاً، فالعلماء الآخرون الذين نجحوا في أن يحفروا لمسافة تزيد على ‬12 كيلومتراً لم يستطيعوا أبداً الوصول إلى طبقة الوشاح، التي تبلغ من العمق ‬32 كيلومتراً تحت اليابسة، لكنها ليست كذلك تحت سطح البحر، ولهذا تم اختيار السفينة «تشيكيو»، لتقوم بمهمة الحفر تحت سطح المحيط، حيث ان القشرة الأرضية أقل سماكة بكثير هناك عنها في اليابسة، إذ لا تبعد طبقة الوشاح سوى ‬5 كيلومترات فقط عن سطح الأرض.

لكن سيكون على السفينة تشيكيو أن ترسل بأنبوب الحفر لمسافة ‬4 كيلومترات، حتى يصل إلى قاع البحر، وسيحتاج بعدها لخمسة كيلومترات إضافية من الطول ليخترق حزام القشرة الأرضية وصولاً إلى نطاق الوشاح، الذي لم يصل إليه أحد بعد، وكانت أولى المحاولات للوصول إليه عن طريق علماء أميركيين، قبل خمسين عاماً، باستخدام سفينة حفر فوق خليج المكسيك، تمت تسمية المشروع «مشروع موهول»، ولم يتمكن الحفار من تجاوز مسافة ‬300 متر في القشرة الأرضية، واضطر العلماء للتوقف، وبعدها توالت المحاولات، لكن أطول مسافة نجح العلماء في حفرها انطلاقاً من قاع البحر كانت كيلومترا ونصف الكيلومتر فقط، وهي بالطبع لا تكفي للوصول إلى طبقة الوشاح.

رغم هذا، فإن العلماء على متن السفينة «تشيكيو» متفائلون في تحقيق ما لم يستطعه علماء غيرهم، ويقول الدكتور هانس كريستيان لارسن، أحد المسؤولين عن المشروع: «لدينا الآن تكنولوجيا متطورة ستساعدنا على الحفر للوصول إلى ما نريد، وإحضار عينات من طبقات الأرض إلى السطح».

ويقوم لارسن حالياً مع زملائه من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان بالبحث عن الموقع الأمثل لانطلاق عمليات الحفر، الذي تكون فيه القشرة الأرضية، نسبياً، رقيقة، ومن المواقع المرشحة للحفر المنطقة الواقعة قبالة ساحل هاواي، ومن المقرر لعمليات الحفر أن تبدأ عام ‬2011، وذلك بعد أن يتم اختيار الموقع الأفضل لذلك.

سيساعد إدراك ما يجري في أعماق طبقة الوشاح العلماء على فهم ما يحدث فوق الأرض، لأن باطن الأرض غير ثابت، وهذا هو السبب في نشوء الزلازل والبراكين، كما أن الزلازل تستمد طاقتها بشكل أساسي من طبقة الوشاح. وقد نجح العلماء على مدار أكثر من قرن في الاستفادة من القوة المدمرة للزلازل، لكشف تركيب كوكب الأرض ومحتوياته، فبتحليل طاقة الزلازل، تمكن خبراء الزلازل من رسم صورة تفصيلية لطبقات الأرض.

لكن العديد من التساؤلات تظل مطروحة ومنها تساؤلات حول كل تلك الطبقات التي تمتلكها الأرض، وما الدور الذي تلعبه على سطح القشرة الأرضية، وهل بالإمكان التنبؤ بسلوك تلك الطبقات، وموعد الزلازل والبراكين المقبلة، أم لا.

لن يكون الحصول على عينات من طبقة الوشاح أكثر سهولة من الحصول على عينات من صخور القمر وتربته، ولتحقيق هذا الهدف الصعب، يقدر العلماء على متن «تشيكيو» أنهم سيكونون بحاجة لأنابيب حفر بطول ‬10 كيلومترات، نصفها تقريباً للوصول إلى قاع البحر، والنصف الآخر للحفر والوصول إلى طبقة الوشاح، وسيتعين على أنبوب الحفر أن يمر بظروف قاسية جداً، بما فيها درجات حرارة تتجاوز ‬200 درجة مئوية، ووسط عالم من نوع آخر لا يخلو من الحياة، كما قد يعتقد، فهناك الكثير من البكتيريا التي تنمو وتترعرع على أعماق بعيدة، وسط الحرارة الشديدة والإشعاعات القاتلة.