موسيقانا الشرقية ثرية جداً بالمعزوفات والجمل الموسيقية المتعددة في المقطوعة الواحدة ومن جملها الرائعة «الصولو» وهو عزف منفرد، تكون فيه المقطوعة الموسيقية كاملة بمختلف الآلات، فيما بات الصولو سمة موسيقانا الشرقية وتعددت مقاماته وألوانه ومن أشهرها الصولو الطربي الذي عرفت به أم كلثوم مع الموسيقار بليغ حمدي، ولعل ذلك يدعونا للتساؤل: هل لايزال الصولو يزيّن الأغنية العربية بذات الأصالة، أم جرفته رياح الإيقاع السريع وغزو الصولو الهندي والغربي.. الإجابة في سياق السطور التالية:

 يصف حيدر كريم - مخرج أغاني مصورة الصولو بروح الأغنية الشرقية وعمودها الفقري وهي من دونه فاقدة لهويتها ولا طعم ولا لون لها، لأن الموسيقى الشرقية مكونة من مجموعة من الآلات مثل العود والكمان والقانون وكل واحدة منها لها صولو خاص بها خصوصاً العود الشرقي المعروف بصولاته الطربية، وفي هذا نجد العبقري الموسيقي عمار الشريعي الذي قدم عشرات المعزوفات الخالدة والتي تدرّس اليوم في كثير من الجامعات والمعاهد الموسيقية في الوطن العربي، ولا ننسى ملك العود العربي نصير شمة الذي أثرى الموسيقى الشرقية والصولو العربي بروائعه وهو الذي شجع الكثيرين على العزف المنفرد والأوكسترالي للعود، ونجح في تكوين مدرسة وفكر متخصصين في العزف على العود، وهناك أيضاً الموسيقار المعروف عمر خيرت المتخصص في العزف على البيانو وهــو من نجوم الصولو الطربي، أما العراقي فرات حسين قدري فهو لا يستطيع ان يلحن قطعة موسيقية ولو صغيرة من دون الصولو وهو مدرسة يتعلم منها في الصولو الشرقي، لاسيما وان الصولو يعد بصمة واضحة في الموسيقى العراقية التي تفقد هويتها من دون الصولو.

ويضيف كريم: هناك أمر مهم يجب ان يوضع في الاعتبار وهو ان الصولو لا يضاف إلى القطعة الموسيقية وفقاً لمزاجية الملحن أو المطرب أو حتى الموزع بل يعتمد على روح العمل والتناغم الكامل بين مختلف فقرات القطعة الموسيقية، مع مراعاة قدرات المطرب وملاءمة الصولو لطبقاته الصوتية، رافضاً الزج بعدد من النماذج الهندية والغربية في المقامات الشرقية، وهو الأمر الذي يفقده هويته بالكامل، وللأسف هناك العديد من المغنين وممن يصنفون في خانة الكبار يعملون على طمس هوية الصولو الشرقي تحت دعاوى التطوير والحداثة، لكنه تدمير وهم لا يعلمون بما يقدمون عليه من تشوهات لن يرحمهم عليها التاريخ.

 

شراكة فنية

الموزع الموسيقي مهند خضر يبدي رأيه من واقع تجربته مع عدد كبير من الموسيقيين والمطربين، حيث يرى ان اختيار الصولو في الأغنية من اختصاصات الموزع، لكن جرى العرف الفني في كثير من الأحايين على إشراك المغني في هذا الأمر وهو لا يتعدى إبداء الرأي، لكن القرار النهائي مسؤولية الموزع، ويمكن ان يختار الفنان اللحن الذي يتناسب مع طبقاته الصوتية، ورؤيته الفنية، وفي النهاية يتم اختيار الصولو الذي يتناسب مع اللحن وطبقات الفنان، لكن أحياناً يكون اللحن ركيكاً وفي هذه الحالة يطغى الصولو مع التوزيع على اللحن ولا يلفت نظر المستمع وتكون الأغنية محل تعليقات الجمهور، وهو الأمر الذي يؤكد أهمية الصولو في جذب المستمع إلى الأغنية، وقد انتبه معظم المغنين إلى هذا الأمر واضحوا أكثر اهتماماً بالصولو واختيار الموزع الذي يمكن ان يجعل من الصولو اللحن في تناغم بحيث لا يطغي أحدهما على الآخر.

وعن أنواع الصولو المفضل لدى المستمع يقول مهند ان الصولو الحركي هو المفضل لدى شباب اليوم عكس الصولو الطربي الذي كان سائداً أيام أم كلثوم وعبدالحليم حافظ، لأن إيقاع الأغنية اليوم يختلف عن ايقاع الصولو الطربي، وهو الإيقاع السريع الذي يناسبه الصولو الحركي.

 

خيار المغني

وحول مدى تدخل شركات الانتاج الفني في اختيار المغني لنوع الصولو قبل تسلم الشركة أمر انتاج وتوزيع الألبوم يقول مراد النتشة من شركة (a-r- m) للتوزيع والانتاج الفني انهم كشركة لا يتدخلون في الأمر وهو متروك للمغني والموزع، لكن في بعض الحالات يكون هناك نصح وإبداء رأي لكن دون التأثير على خيار ورأي المغني والموزع، وأكد أهمية الصولو في الساحة الغنائية هذه الأيام لاسيما مع سيادة الإيقاع السريع الذي يتطلب الدقة في اختيار الصولو الذي يتناغم مع هذه الإيقاعات.

 

عامل جذب جماهيري

ويؤكد تامر البيطار من شركة (E-m-I) للتوزيع والانتاج الفني على أهمية الصولو في توزيع الالبوم وبات يشكل عامل جذب لمعظم الاغاني اليوم ومفضل جداً لجيل اليوم الذي أصبح لديه وعي بماهية التوزيع الموسيقي والصولو والهارموني، وأسس ومعايير التسجيل داخل الاستوديو، وهل هذه الأغنية مكتملة المعايير الفنية أم تم تسجيلها على عجالة وهو صاحب أذن ناقدة، وهو الأمر الذي يحتم على المغنين وشركات الانتاج الفني تحري معايير الجودة والتشدد في اختيار الالحان المناسبة لكل اغنية وطبقات صوت المغني، والصولو المناسب لكل لحن وتكليف الموزع البارع الذي يستطيع ان يضع الصولو المناسب للحن والتنوع الموسيقي وطبقات صوت المغني.

 

«الحب كله» تناغم الصولو الطربي

تعتبر أغنية «الحب كله» من أروع الأغاني التي تجسد روعة انغام الصولو والبراعة الموسيقية في الصولو الطربي الذي اندثر ولم يعد له وجود مع مغني هذه الايام، وهي من الأعمال الأخيرة لبليغ مع أم كلثوم.. وقد وضع فيها عصارة فكره الموسيقي.. ووضح تماماً تمكنه من أدواته.. ونضج موهبته المدعمة بالدراسة والخبرة.

اختار بليغ مقام الراست ليصوغ منه لحنه، وعمد إلى تأليف مقدمة موسيقية ينبغي تدريسها ووضعها لطلبة المعاهد والكليات الموسيقية كدلالة على التلوينات المقامية والإيقاعية والفكر الموسيقى المتطور، نسمع فى المقدمة أدليب قصير من الوتريات من الراست، يعقبه صولو للجيتار ثم يدخل الإيقاع.

استخدم بليغ إيقاع (الظرافات) وهو إيقاع مركب ميزانه 13 / ..8 أي كل مازورتين تحتويان على ثلاث عشرة ضربة إيقاعية.

المقدمة الموسيقية تحتوي على ما يقرب من خمس أو ست مقامات.. فنجد الراست بجوار النكريز والنوا أثر والبياتي والكرد.. في حوار وتلون طبيعي ليس فيه شبهة نشاز أو غرابة.

وتغني أم كلثوم من نفس المقام الرئيسي (الراست).. مع تحويلة لمقام الهزام عند (واسقيني واملا.. واملالي تاني).. ثم العودة مرة أخرى للراست (حسيت كإني اتخلقت تاني) لينهي المذهب.

ثم تغني أم كلثوم.. (روح قلبي ياحياة أيامي) من الراست أيضاً.. مع تغير الإيقاع إلى الواحدة الكبيرة (رباعي الميزان).. ولكنها لا تستقر على الراست طويلاً.. حيث يتغير المقام إلى البياتي.. (بكل شوق الدنيا لقيتني مشدود إليك).

ثم تعود مرة أخرى للراست عند (ناديت ع الدنيا بحالها) تمهيداً للعودة من نفس الطريق لتنهي الكوبليه.

لازمة موسيقية جديدة.. ويصر بليغ حمدي على أن يفاجئنا بالجديد في كل كوبليه، فنجده استخدم مقام النهاوند بكل أبعاده.. استخدم النهاوند الطبيعي (الحجازي).. والنهاوند الكردي.. مع الحرص على استعمال حساس المقام.

ونسمع في هذه اللازمة أيضاً.. إيقاعاً جديداً رباعي الميزان.. ونقف هنا قليلاً لنسمع صولو الأكورديون.. صولو جميل من النهاوند.

ثم يتغير الإيقاع إلى المصمودي الصغير.. مع صولو آخر من الأكورديون بمصاحبة الإيقاع.

وفي الكوبليه الأخير.. ولانزال مع جديد بليغ حمدي في الإيقاعات، حيث يستعمل إيقاع سباعي الميزان يسمى (دور هندي).. ومع مقام البياتي.. وتحاورات وصولوهات عديدة من الجيتار والقانون والأورج.. من نفس المقام.

وتغني أم كلثوم (يا حبيي ياعبير الشوق يا حبيبي) .. من البياتي أيضاً.

ويظل بليغ مع البياتي طوال الكوبليه، لم يغيره أو ينتقل لمقام آخر.. حتى يعود للراست عند (خليني أقول للدنيا بحالها).. لينهي الكوبليه والأغنية التي تعد نموذجاً متفرداً في الصولو الطربي غير المتكرر.