بشموخ مهيب، وقامة مشدودة، وذراعان تعانقان السماء، وقفت سارا باراس راقصة الفلامنكو الأكثر شهرة حول العالم، لتؤدي رقصتها الأولى، أول من أمس، على مسرح دبي أوبرا، الذي تعتق بسحر الحنين لمزيج الإيقاعات الشرقية الأندلسية بملامحها الإسبانية.
وكانت أمسية الأحلام بكل امتياز، لم تكن بحاجه الى إتقان الإسبانية، لتفهم ما يدور حولك، ببساطه باراس أيقظت الحواس بعنفوان الفلامنكو، حيث أطلقت العنان للخيال المحمل بكل التوقعات بين الحزن والفرح والصمود والأمل.
أداء استثنائي
في عرض باراس كان الصمت يسود قاعة دبي أوبرا، الجمهور يتتبع خطواتها بدقة، يداها ومعصماها مهيئتان لدوران رقيق، ظهرها متصلب، وذراعاها قـادرتان أن تفعلا ذلك، القدم راسية، وتنتظر أن تبدأ حركة قدميها ببطء، ينفعل بحماس مع كل نقرة من حذائها المخصص لهذه الرقصة، فكل نقرة تتحدث إلى الأخرى..
وتبني إيقاعاً. يتزايد إصرار مع ارتفاع صوت الموسيقى والغناء في أداء استثنائي وتمثيلي مذهل، وتتعالى الأصوات مرددة في حماس كلمة أوليه OLE، التي تتكرر كثيراً خلال العرض وتعني «يا الله»، فكان الراقصون في الماضي البعيد يقولون «يا الله» التي تحوّلت لاحقاً إلى o-lay ثم إلى ole.
وتتصاعد حدة الإيقاع وانضباط الخطوات الموازنة لحركات الرقص الارتجالي، والتي تكون وليدة اللحظة التي يؤديها أمامها الراقص البارع خوسيه سيرانو مترجماً الألم، والحالة الحسية، والانفعالية لمعاني الأغنية، وتغيراتها وتناميها.
انفعالات راقصة
سارا باراس التي بدأت نشاطها الفني في عام 1990 مع فرقة «آل جويتو»، حيث تعلمت فن رقصة الفلامنكو الإسبانية، أثبتت في هذه الأمسية بمشاركة أعضاء فرقتها المكونة من 15 شخصاً بين عازفين وراقصين ومطربين أن إتقان هذه الرقصة يحتاج إلى الكثير من النضج والخبرة والحس الفني..
كما يعتمد إضافة لحركات الذراعين واليدين والقدمين على العنفوان والقوة وشدة الانفعالات والعواطف وتخلق الراقصة أنماطاً إيقاعية معقدة بتقنية حركة معقدة بتحرك الأجساد الراقصة في وقت واحد بانسجام على إيقاعات الموسيقى..
وعلى إيقاعات صوت وحركة الرقص السريعة والعنيفة وشدة الأصوات المنبعثة من ضربات القدمين بالأرض تجعلنا نسأل عن سر تلك القدرة على ضبط ذلك العنف، فالعنف هو الذي يغذي رقصة الفلامنكو والراقصون الرجال أكثر قدرة على تمثيل تلك الحركات الإيقاعية السريعة من الراقصات الإناث، وتتحرك الراقصة كالفرس الجامح.
جذور
أبانت سارا باراس قدرة مذهلة على جذب الانتباه لكل خطواتها المسرحية لعرضها «أصوات» المستوحى من عظماء هذا الفن الإسباني بجذوره العربية، فهناك قنوات كثيرة تربط موسيقى وغناء الفلامنكو وغناء شعوب كثيرة منها العالم العربي، فالصلة لا يمكن إنكارها فضلاً عن المضامين الثقافية لموضوعات الفلامنكو التي تعكس نظرة قريبة من النظرة العربية إلى الحب والمرأة والعفة والحياء والوفاء والحياة والموت والقدر.