لم يكن تاريخ 26 نوفمبر 2008 يوماً سعيداً في «روزنامة» مدينة مومباي الهندية، ولا فندقها الشهير «تاج» ذي العمر الذي يتجاوز قرناً من الزمان.
إذ إن هجمات إرهابية شلت أمان المدينة آنذاك ووجدت مكانا لشيء من جولاتها المرعبة في أروقة وممرات وطوابق الفندق ذاته. لم تكن «فاتورة» الـ80 مليون درهم التي تم دفعها من أجل أعمال إعادة التشييد والترميم، هي فقط ما شغل بال راتان تاتا، رئيس مجلس إدارة «مجموعة تاتا» التجارية العملاقة التي تملك الفندق وعلامة «تاج».
بل المجموعة الفنية العريقة التي كانت منتشرة في ردهات وأجنحة الفندق، وبعضها يشكل كنوزاً ذات قيمة تضاهي تلك المعروضة في «متحف شاتراباتي» الذي يعرض تاريخ المدينة العريقة. آنذاك، ربما لمعت فكرة في رأس راتان: «على كل فنادقنا في مدن العالم أن تنال حصتها من المقتنيات الفنية. تجد أمكنة وبيوتا جديدة لها، جميلة وآمنة وسعيدة».
«جميلة وآمنة وسعيدة»؟ هل تذكركم هذه التوصيفات بمدينة واحدة. نعم، دبي!
جمال من شفق
في واقع الأمر، حط «المهراجا» نفسه في هذا المكان، و«ها هو كل يوم ينتظر مغيب الشمس لكي تمتلئ عيناه بلحظات الشفق البهية التي تنعكس على الواجهات الزجاجية العملاقة للبرج، أو تداعب مبنى الأوبرا، كأنها تمسّد على وليد جديد..
ولد عملاقاً»، يتخيل سليمان من السعودية، والذي كان محظوظا في إقامة عائلته في الجناح الأسطوري ذي الإطلالات الدراماتيكية على منطقة وسط دبي: جناح المهراجا الذي تبلغ مساحته 225 مترا مربعا.
أساطير وعصافير
في هذا المكان، علقت اللوحات والصور الفوتوغرافية النادرة، على خلفية من ورق جدران مزركش، تم استلهام نقوشه من الأساطير والحكايات والعقائد الكثيرة في الهند. إحدى اللوحات تمثل أميرة من راجستان، مزدانة بحليها ومجوهراتها، تفتح عينيها لكي تنظر مباشرة الى من يتأملها، في فعل يذكر قليلاً بالموناليزا الشهيرة:
«هذه الموناليزا الهندية. لوحة نادرة لامرأة وسط كل الأعمال الفنية الأخرى التي يظهر فيها رجال محاربون أشاوس. إنها نفحة الجمال والأنوثة هنا». تشرح ديلنا أناند، متذوقة الفن وإحدى الزبونات المترددات باستمرار على المكان.
الجمال محفور في أكثر من ألف قطعة. ينطق من الخشب، والبرونز، والنحاس، والضوء والأهم من الألوان التي تعبق بها ثقافة راجستان الملكية: «الثقافة الملونة لأهل راجستان تعكسها اللوحات أيضاً. هذا الفن يطلق عليه اسم مارو غورجار وعمره يزيد على مئات السنين، تحديداً بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، حيث انتشر، ولا يزال مستخدماً إلى اليوم».
راجستان الملكية
راجستان الملكية متجلية في كل مكان، تحت سماء دبي، وبمختلف أشكال فنونها: الكاجالي (رسومات بالكربون الأسود) والمنياتور (المنمنمات) وفنون «البوندي» نسبة الى المدينة التي تحمل الاسم ذاته في ولاية راجستان: «ميوار، ماروار، كوتا، جيبور، الوار..» كلها هنا في مكان واحد في دبي، التي منحت اسمها لـ«تاج» واسم دار الأوبرا الخاصة بها لصالاته الرحبة.
يتأمل دانيال بولدردجيك، الألماني من أصول هولندية، لوحة معلقة في الردهة ذات ألوان صاخبة. يظهر في اللوحة رجل وامرأة بهيئة أسطورية، إذ تطوق رأس الرجل مجموعة من العصافير.
بينما تفرد المرأة جناحين كأنها فراشة، وتنتشر على جلديهما نقوش تجسد الطبيعة بنباتاتها وحيواناتها. يقول: «هذه إحدى لوحات المجموعة الثمينة والنادرة الخاصة بمالك الفندق. لدينا ثلاثة من ذات الجو. حين أتأملها، أشعر بارتقاء بحواسي. تنقلني الى إرث الثقافة الهندية الذي تختلط به الغرابة مع الواقع».
فن إماراتي
لكن دانيال، معجب أيضا بشيء آخر لا يقل أصالة وروعة وتعبيراً عن الهوية معروض في ردهة الفندق الرئيسية. إنها أدوات وأغراض تجسد ملامح من التراث الإماراتي الشعبي، تم تكليف الفنانة الإماراتية نجاة مكي بالإشراف على ترتيبها في صناديق زجاجية شفافة:
«من هنا، أكثر الأمكنة العصرية في وسط دبي، نعيد إحياء مظاهر من الرابط التاريخي الذي جمع بين الهند وبين العرب، أيام كانت السفن التجارية تجوب المحيط الهندي آتية من الخليج العربي وبحر العرب. إنها حكاية يزيد تاريخها على أكثر من 6 قرون، ونحن نحتفي بها هنا في كل يوم».
جسر حضاري
وليس هو الرجل الوحيد في الفندق الذي يحتفي بهذا الجسر الحضاري، فبعيداً عن «فن الرسم والنحت»، يأتي دور «فن الطعام»، إذ يقوم طاهي «تاج دبي» جيتين جوشي بتقديم مكونات الطعام الهندي التقليدي مع البهارات العربية المستوحاة من قصة «طريق الحرير» في مطعمه ذي الجدران الملونة بلوحات مزخرفة. يقول: «نحن أقرب الى بعض مما يمكن تخيله.
إذا درسنا مكونات المطبخين الخليجي والهندي سنجد تأثيرا وتأثرا واضحين». يوافقه أبهيلاش موني، مدير «جيفا سبا»: «أتيت الى دبي من عالم بدا لي لأول وهلة مختلفا تماما، في جيبور وغوا.
وكان لديّ تحدي أن أضع العلاجات الخاصة بالزوار الذين يأتون الى تاج دبي من مختلف دول العالم. لاحظت شيئا هاما في هذه المدينة، إنها مدينة لا تعرف المستحيل وتحارب باستمرار من أجل سعادة الناس وأمنهم وتمتعهم بالراحة والجمال». «الحرب السعيدة» أوحت الى موني ترتيب «مرحبا بكم في عالم من الجمال والضياء. في وسط دبي، المدينة العصرية التي تحيي، كل ليلة.. أساطير المهراجا».
بالأرقام
* 17 فندقاً تحمل اسم «تاج» فيها مقتنيات والأبرز دبي.
* 1000 قطعة وأكثر من خشب ونحاس وحرير.
* 225 متراً مربعاً مساحة «المتحف الإماراتي- الهندي» الصغير.
* 6 قرون تاريخ رسوم المنمنمات الهندية التي بدأت في دلهي.