يترك العمل المسرحي الناجح أثره في نفس المشاهد ليبقى في ذاكرته طويلاً، وإن كان المشاهد فناناً فإن الأثر يشكل حافزاً للإلهام، وأقرب مثال على هذا التفاعل الإبداعي الأثر الذي تركته مسرحية المونودراما «الحلاّج وحيداً» التي عرضت في الكويت خلال «مهرجان الكويت للمونودراما» العام الجاري، لتبادر إحدى المشاهدات وهي التشكيلية الكويتية سهيلة العطية، برسم لوحة من أجواء المسرحية وأداء الممثل والمخرج ومعد النص عمر غباش.
وتتعزز هذه القناعة لدى تقديم العرض على خشبة مسرح العويس الثقافية في دبي، ليخرج المشاهد محملاً بآلاف التساؤلات المرتبطة بالزمن الراهن على مختلف الصعد، من الجانب الشخصي إلى العام، ناشداً المزيد من المعرفة والتعمق بالأشعار التي سمعها على لسان الفيلسوف الصوفي أبو عبد الله حسين بن منصور الحلاج (858 - 922م) الذي أثارت شخصيته جدلاً واسعاً عبر التاريخ، والذي أدى دوره على خشبة المسرح الفنان عمر غباش.
وقع الأشعار
يبدأ المشاهد بحثه عن الأشعار التي وصله منها بعض المقتطفات والتي تركت أثراً عميقاً في النفس مثل: «تسكعت في طرقات الحياة، دخلت سراديبها الموحشات / وذوبت عقلي، وزيت المصابيح، شمس النهار على صفحات الكتب / فلم يسعد العلم قلبيَ، بل زادني حيرة واجفة»، و«لا أخشى حمل السيف ولكني أخشى أن أمشي به، فالسيف إذا حملت مقبضه كفّ عمياء أصبح موتاً أعمى» و«ما أتعس أن نلقى بعض الشر ببعض الشر/ ونداوي إثماً بجريمة».
ولا تكتمل رؤية العمل وأبعاده بإسقاطاته المعاصرة إلا بعد اللقاء مع الفنان عمر غباش الذي يقول لـ«البيان» في بداية كلامه: «ضم العرض الذي يستمر لمدة 40 دقيقة أربعة مشاهد، اختزلت فيها بعض المحاور المستقاة من مسرحية الأديب والشاعر صلاح عبدالصبور بما يتناسب مع العمل المونودرامي، والتي يحكي فيها عن العدالة الإنسانية والبحث عن الحقيقة بالمعرفة والوعي ونبذ العنف والدعوة إلى السلام».
المشاهد الأربع
ويحكي عن محاور المشاهد الأربعة قائلاً: «أتناول في المشهد الأول تساؤلات الحلاج عبر حواره مع ولده الافتراضي عن ظلم الحياة وغياب العدالة ورغبته في النزول للحديث مع الناس لفتح بصيرتهم وحثّهم على التفكير والاستنارة بالمعرفة».
أما المشهد الثاني فيصور كما يقول: «حال الحلاج بعدما اقتيد إلى السجن، والذي يتمحور حول مقولته «هذا حق يا ولدي.. فلقد أجرمت بحقـه إذا أفشيت السر»، ليرحب بعقاب الجلاد دون شكوى أو آهة ألم، ومن ثم لقائه بالشيخ أبي العاص عمرو بن أحمد. واستقيت المشهد الرابع من فصل المحاكمة لدى وقوف الحلاج أمام القضاة والذي يقول فيه: «الله يصنفني حيث يشاء»، وأركز فيه على كيفية تعامل الإنسان مع صعوبات الحياة، وجمالياتها كما في قوله «لم يبرأنا الباري ليعذبنا، ويصغرنا في عينيه بل ليرانا ننمو، وتلامس جبهتنا وجه الشمس أو نمرح تحت عباءتها كالحملان المرحة».
ولادة الفكرة
وينتقل عمر إلى الحديث عن ولادة فكرة العمل قائلاً: «أعددت نصاً مقتبساً من مسرحية «مأساة الحلاج» قبل خمس سنوات واستوقفني فيه حيوية العمل وتقاطعاته مع الزمن المعاصر، لكني لم أوفق بجهة تدعم العمل. وخلال لقائي بجمال اللهو مدير «مهرجان الكويت للمونودراما» عام 2015، سألني عن مشاركة الإمارات في المهرجان بعمل مونودرامي لم يسبق عرضه. واقترح علي أن أخوض التجربة بنفسي، ما دفعني مرة أخرى إلى نص الحلاج لأعده مجدداً، ولم أُلزم نفسي بالعرض، إلا بعدما اجتزت العديد من المراحل من إعداد الحركة والممثل إلى الإخراج».