تستطيع أن ترسم ملامحه من جملته الموسيقية، شخصيته الحقيقة لا تختلف كثيرا عن موسيقاه، فكلاهما يتميزان بالهدوء والنضج. مالك جندلي هو أول مؤلف سوري يقوم بإعادة توزيع أقدم نوته موسيقية معروفة بالعالم، ليشكل لوحة فنية رائعة أطلق عليها اسم «أصداء من أوغاريت».
يرى أن الوطن العربي في حاجة للاهتمام بالموسيقى، عن طريق توعية الطفل وتنمية موهبة الموسيقى بداخله في المدرسة والبيت، فالموسيقى من وجهه نظره تزرع الرقي بداخل الإنسان، فهي تعتبر وسيلة تواصل الذهن بالروح في الشخصية الواحدة، وهي أيضاً وسيلة فاعلة تسهم في تهذيب المشاعر، وتعزيز التفاهم تحت مظلة قيم الجمال والانسجام. «الحواس الخمس» التقى جندلي أثناء وجوده في دبي ليحدثنا عن أسباب إعادته توزيع أقدم نوتة موسيقية في العالم، ومشروعاته المستقبلية.
من أين جاءت لك فكرة إعادة توزيع أقدم نوتة موسيقية معروفة بالعالم؟
لقد عشت في الغربة حوالي سبعة عشر عاما، الأمر الذي جعلني أحن أكثر إلى بلدي سوريا، وإلى جذوري العربية، وعندما سمعت منذ أعوام بنبأ اكتشاف أقدم نوته موسيقية في العالم تعود إلى 3400 قبل الميلاد، خلق بداخلي نوعا من الشغف والفضول، وتساءلت لماذا لا أقوم بإعادة توزيع هذه النوتة، ما دفعني إلى دراستها لمدة خمس سنوات، وتبينت أن هذه النوتة هي السلم الموسيقي لنشيد زوجة آلهة القمر، حسب المعتقدات اليونانية القديمة، وقمت بتوزيعها وتحويلها إلى موسيقى حزينة، وأضفت إليها الإيقاع والهارموني، وعزفتها على البيانو برفقة فرقة موسيقية، لأشكل لوحة فنية، أطلقت عليها اسم «أصداء من أوغاريت».
حدثنا عن ألبوم «أصداء أوغاريت»؟
يحتوي الألبوم على مجموعة متنوعة من المقطوعات الموسيقية من ضمنها «أرابيسك»، وهي تتحدث عن فن الأرابيسك، حلم البيانو، يافا، أندلس، وبالطبع أصداء أوغاريت، وقد حرصت على أن تكون جميع أسماء المقطوعات باللغة العربية، اعتزازا بهويتي العربية.
ما أكثر شيء يؤرقك ويقلقك كموسيقي؟
أكثر شيء يشغل تفكيري هي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أعبر عن أحاسيسي وموسيقاي للجمهور، بالشكل اللائق الذي يرضيني، وقلما ما يحدث ذلك، لأنني دائم الشعور بعدم الرضا، وأنني أستطيع تقديم الأفضل، فالموسيقى تسري في عروقي.
بدأت كعازف بيانو، متى قررت أن تصبح مؤلفا موسيقيا؟
بداية اهتمامي بالموسيقى كانت في ألمانيا، فهناك يهتمون بالطفل بشكل بالغ من حيث تكوين شخصيته وموهبته، فردود أفعاله تخرج كما هي من دون أي قيود، فعندما يشعر بالفرحة والرغبة في الضحك يضحك من دون تفكير أو سابق إنذار، وهذه هي أول موسيقى يعرفها الإنسان. فقد قضيت بألمانيا ست سنوات واستمريت في دراسة الموسيقى بعد عودتي إلى سوريا مع الأهل، وكنت أحب العزف على البيانو، ولكن للأسف نحن دائما نركز في عالمنا العربي، على العزف غير أبهين بالتأليف والتوزيع والانسجام الموسيقي. وشاءت الأقدار أن أحصل على منحة دراسية ، في معهد الفنون بكارولينا الشمالية. وهناك قررت ألا أكون عازفاً على آلة البيانو فحسب، بل مؤلفاً موسيقياً رفيعاً.
حصلت على العديد من الجوائز، ولكن ما هي أهم جائزة بالنسبة لك؟
حصلت على العديد من الجوائز وأهمها بالنسبة لي هي رؤية ابتسامة طفل صغير، حيث إنني أشعر بسعادة بالغة عند رسم الفرحة على وجوههم فهذه جوائز معنوية لا تقدر بثمن.
ماذا عن الحفل الموسيقي الذي قمت بإحيائه في أبوظبي؟
سعدت كثيرا بالمشاركة في هذا الحفل، خصوصاً أن أبوظبي تعد منبرا لكبار الموسيقيين من مختلف الأنحاء، ووجهه ثقافية مهمه تحمل أبعادا إنسانية وتعليمية وحضارية، واعتقد أن إقامة المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات خطوة غاية في الأهمية.
ما هي أكثر الحفلات القريبة من قلبك، التي قمت بإحيائها، ومن هم الموسيقيون الذين سعدت بالعزف معهم؟
تجربتي مع الفرقة الهرمونية الروسية بموسكو كانت في الحقيقة تجربة لا توصف من ناحية العزف والأداء والجو العام، فالتناغم والانسجام شيء مهم جدا، إضافة إلى موهبتهم الكبيرة في العزف، وأيضا التقنيات العالية التي يستخدمونها، أما بالنسبة للحفلات فجميع الحفلات التي أقوم بإحيائها، وأعزف فيها أمام الجمهور أحبها، ولكن القريبة لقلبي هي الحفلات الخيرية.
الاهتمام بالنواحي الموسيقية خطوة مهمة؛ فمن وجهه نظرك ما الذي ينقضنا كي نصل بموسيقانا للمستوى المطلوب؟
توعية الطفل وتنمية موهبة الموسيقى بداخله وليس كدراسة فقط شيء مهم، وذلك لكي نخلق لديه إمكانية التأليف والابتكار والإبداع والتذوق الموسيقى، كذلك يجب أن تهتم الأسرة بتنمية مواهب طفلها. فالموسيقى تزرع الرقي بداخل الإنسان، وتعتبر وسيلة تواصل الذهن بالروح في الشخصية الواحدة، وهي أيضاً وسيلة فاعلة تسهم في تهذيب المشاعر وتعزيز التفاهم تحت مظلة قيم الجمال والانسجام.
هل ترى انه لدينا بيئة صحية لصناعة فن الموسيقى الجاد؟
اعتقد أننا نمتلك القدرة على خلق بيئة صحية لصناعة الموسيقى، فنحن نمتلك تاريخا موسيقيا عظيما، ومن ضمن هؤلاء الموسيقيين زرياب الذي كان له أثر كبير في أوروبا، حيث كان يدرس البعثات الأوروبية القادمة إلى الأندلس بمدرسة الموسيقى، التي أنشأها في بلاط عبد الرحمن، والتي كانت تدرس فها أصول الموسيقى والغناء والعزف بمختلف الآلات وفنون الشعر والرقص، إضافة إلى أنه أول من فكر في تنفيذ التبادل الثقافي وتوجيه البعثات الفنية، وفق مفهومنا العصري.
لو كنت تعيش في الوطن العربي، هل كنت تستطيع تحقق شهرتك الحالية؟
بالطبع لا، وهذا نظرا إلى أشياء عدة، أهمها تركيز مناهج تدريس الموسيقى على كيفية العزف دون الاهتمام بالتدريب الأكاديمي، والإغفال عن دور المؤلف الموسيقي، ولكن هذا لا ينفي أنني فخور بجذوري العربية.
أيهما يحقق دخلا ماديا أكبر؛ تأليف الموسيقى أم تلحين الأغاني؟
أنا لا أفكر بالمادة، فكل ما يهمني هو إيصال الموسيقى الراقية للجمهور، ولكن هناك مشكلة كبيرة يعاني منها الفنانون والموسيقيون تتمحور في ضياع حقوق الملكية، فالألبومات تسرق قبل صدورها في الأسواق ليضيع حق شركة الإنتاج والمؤلف الموسيقي، عكس ما يحدث في الغرب.
كيف ترى الموسيقى التصويرية في الأعمال الدرامية الحالية، ومن يعجبك من الموسيقيين؟
لست ملماً كثيرا بالموسيقى التصويرية بالوطن العربي، نظرا إلى أنني عشت فترة طويلة بالخارج، ولكن بشكل عام الموسيقى التصويرية تضيف بعداً آخر للمشهد بإشراك الأذن، وبالتالي حاسة السمع في الاندماج في المشهد، وليس العين، وبالتالي حاسة البصر فقط، فهي تشكل الخلفية للمشهد، وهي تصف المشاعر التي تعتمل داخل الشخصيات وتبرزها على الشاشة. وبالتأكيد أنا شديد الإعجاب بموسيقى الرحابنة.
هل يتطلب ظهورك على المسرح مجهوداً أكبر؟
أهتم كثيراً بكسر الحواجز بيني وبين جمهوري، فأطلب منهم أن يقوموا بإغماض أعينهم ويفتحوا المجال لمخلياتهم، لكي يعيشوا مع الموسيقى.